ذكرت سابقاً أني سوف أعلق على موضوع العركات الزجلية بشكل عام و ها أنا أحاول أن ألقي الضوء عليها
من خلال خبرتي المتواضعة في مجال الشّعر الزجلي و العركات الزجلية, ربما لا أكون شاعراً جيداً لكنّي أزعم أنني ناقد جيد في هذا المجال, أريد أن أورد بعض الملاحظات و التوضيحات فيما يتعلّق بهذا الفنّ الجميل و المحبب حتى تكون الصورة جلية أمام المتابعين لهذا النوع من الشعر و ( غير المختصين ) به فيدركوا أين تكمن مواضع الجمال و أين توجد الثعرات و الزلات في أي قصيدة زجلية و في أي محارة شعرية, و تحديداً أريد أن أتحدث عن عركات التحدي.
إنَّ مباريات التّحدي الزجلية بشكل عام تقوم على مبدأين أساسيين هما الفخر و الهجاء, بمعنى أن الشاعر يقوم بالافتخار بنفسه و هجاء خصمه, و بما أنه ليست هناك مشكلة بالفخر فأودّ أن أركّز هنا على الهجاء.
الهجاء غرض من أغراض الشّعر و يحتل نسبة كبيرة من أشعار العرب الأقدمين , و لا أشهر من جولات الفرزدق و جرير التي تدرّس في الجامعات, كما أنّ صيت الحطيئة ملأ الآفاق بهجائه لدرجة أن الرّجل هجا نفسه عندما لم يجد أحداً يهجوه.
و يكاد الهجاء ينعدم من الشعر العربي المعاصر إلا من قصيدة هنا و أخرى هناك تذم حاكماً و تشتم آخر من هذه القصائد التي لا تقدم و لا تؤخّر.
و بالعودة إلى شعر الزجل فالصورة هنا مختلفة تماماً عن الشعر الفصيح القديم الذي كان فيه الهجاء مقصوداً و كان الشاعر يعني ما يقول, أما الهجاء الذي يرد في المحاورات الزجلية فالشاعر لا يقصده و لا يعنيه , إنّما هي مسرحيّة شعرية حماسيّة الهدف منها إمتاع السامع من خلال إبراز الشاعر لموهبته في طرح الأفكار و في التصوير و التشبيه و ربط الأمور ببعضها.
فمن المعلوم أن المعنى القبيح تنفر من الأسماع و تستقبحه الأذواق السليمة, لذلك فإن مهمّة الشاعر الزجلي الجيّد هو أن يجعل من الهجاء فناً و الجمال من مقتضيات الفن , فلا فن دون جمال, و بطولة الشاعر تكمن في كيفية تقديم هذا المعنى السّيء بطريقة تجعل متلقيها يستمتع بها, بأن يغلّفها بغلاف فني جميل مستخدماً أدوات شعرية لا بد للشاعر الجيّد أن يمتلكها , و من هذا الأدوات التي استخرجتها من خلال متابعتي لكبريات العركات الزجلية هي:
الصورة الجميلة
التشبيه المناسب
الاستعارة الصحيحة
التلميح الذكي
اللفتة المهضومة
التلاعب يالألفاظ
استحضار التاريخ
التحليل المنطقي و ربط الأمور ببعضها
ضرب الأمثال
القصة , و غيرها من الأدوات التي لا بد للشاعر أن يكون متمكّناً منها.
و الشاعر الذي يهجو خصمه بشكل مباشر دون الاعتماد على إحدى الأدوات الفنية الجمالية, في هذه الحالة يكون الشاعر قد هجا نفسه و ليس له حظ من الشعر أبداً ,اللهم إلا الوزن و القافية, و هذا هو الفرق بين الشاعر و ناظم أو كاتب الشعر, فللأول الصور و الاستعارات و التشابيه و الوزن و القافية , أما الثاني قيكتفي باللآخيرين فقط, و ما سمّي الشاعر شاعراً إلا لأنّه يشعر بما لا يشعر به الآخرون.
حيث أنّ الشاعر الحقيقيّ هو الذي يوجِد علاقةَ بين شيئين مختلفين تماماً, هذه العلاقة لا يراها سواه من الناس و هذا ما يسمى بالاستعارة أو التشبيه فيقدّمها في صورة معبّرة و بسبك لغوي متين.
و أما ناظم الشعر و هو ما أعبر عنه بكلمة ( قوّال ) فيكتفي بصف الكلام العادي المتداول ضمن منظومة وزنية و قافية موحّدة.
و من الأخطاء التي ألاحظها في أشعار بعض الشعراء, هو أن يحاول الشاعر أن يهرب من ظاهرة صف الكلمات فيقع في فخ صف الصّور فيأتي بصور غير منسجمة لا تخدم المعنى المقصود فيزيّن بها أبياته ى, و غالباً ما تكون هذه الصّور غامضة و غير مفهومة عند المتلقي , و هو يعتقد أنّه في ذلك قد قام بالإنجاز الكبير.
و من الأخطاء الشائعة أيضاً هو تحكّم الوزن و القافية بالشاعر و السيطرة عليه, و هنا أنا لست أدعو إلى التحرر من الوزن و القافية , فهما بالنسبة للشعر الزجلي المنبري أمران مقدسان, و لكنّي أعني أن لا يجبر الوزن و القافية الشاعرَ على الإتيان يألفاظ لا تناسب السياق أو المعنى المطلوب, أو الانحراف عن اللهجةالصحيحة المعترف عليها زجلياً و أعني الزجل المنبري مما يجعل كلمات الشاعر ثقيلةً على الأسماع. أما الشاعر المتمكّن فهو الذي يعقد اتفاقاً بينه و بين الوزن و القافية فلا هو يخرج عنهما و لا هما يجبرانه على قول ما لا يريد قوله و بذلك سيخرج شعره سلساً دفاقاً تطرب له الأسماع.
و بالعودة إلى محاورات التّحدي فلا يفوتني أن أنبه إلا الكلام القاسي أو الجارح الذي يذكر أحياناً , و أنا لست ضدّه على أن يأتي ضمن سياق المحاورة, فإن كان الشاعر يدافع عن العلم فمن الطبيعي أن يدعو خصمه بالجاهل. على أن الباب ليس مفتوحاً على مصراعيه, و الشاعر الذي يعيش في جوّ العركات الزجلية يعرف ما هو المسموح و ما هو الممنوع و ما يقال و ما لا يقال و يعرف أين هو الخط الأحمر فلا يتعدّاه.
و لابدّ في نهاية مقالتي هذه أن أكشف سر المصلحة في العركات الزجلية و الذي أعبّر عنه بمقولة ( قلب السحر على الساحر ) يعني داوها بالتي كانت هي الداء.
فما هجاك به صاحبك حوّله بسحر شاعر إلى مفخرة لك , و ما افتخر به قبل قليل إلى منقصة فيه لتدور بين الشاعرين حرب صور و تشبيهات و أفكار مبتدعة و ليس حرب شتائم و اتهامات, و خير ما أختم به عبارة للفيلسوف الكبير أرسطو الذي يقول فيها ( الاستعارة عنوان العبقرية )