جبعدين نيوز
12-03-2007, 11:45 PM
حوار مع حبيب أفرام: ( 1 / 2 )
نحن سريان، لكن دون تعصب، دون جنون، دون أوهام...
أجرى الحوار ريمون جرجي: ( كلنا شركاء ) 11/3/2007
" لن نكتب تاريخنا بأرجلنا، لن نهاجر، لن نصبح حراس حجارة " .
" لن نكتفي بالبكاء على أطلال ما أُعطينا في السابق ".
" إن الأرض كنزنا وثروتنا. والهجرة نزيفنا والمقتل ".
" إننا مواطنون كاملو الأوصاف. لا نقبل أن يزايد علينا أحد ".
" نحن سريان لكن دون تعصب، دون جنون، دون أوهام، دون مشاريع هوائية ".
" نكن كل احترام لكل شعب ولكل قومية ولكل أثنية ولكل طائفة ولكل مذهب ولكل دين ".
" نحن ننتمي إلى لغة كما ننتمي إلى وطن".
" صحيح أنّا قليل عددنا لكننا شعب كبير" .
" نقول للاغتراب "إلى الشرق درْ. ساعدوا أهلكم على الصمود في مؤسساتهم. ساهموا في المدارس والجامعات وعززوا تعليم اللغة ودور النشر وإنشاء المصانع".
عبارات ذهبية تحدثَ بها " حبيب أفرام " خلال كلمته في مهرجان مار أفرام السرياني الأخير في مدينة القامشلي، اخترتها لأبدأ بها هذا الحوار الأفلاطوني عن السريان ومسيحيي الشرق :
الملفونو(الأستاذ) " حبيب ادمون أفرام" رئيس الرابطة السريانية ، وأمين عام اتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية والرئيس السابق للاتحاد السرياني العالمي.
هو أشهر من أن يُعرًف من خلال حوار ، وأكبر من أن يُوضح بمقال أو بضعة كلمات ، فهو إنسان سرياني أرثوذكسي يعتز بمسيحيته، مشهود له بوطنيته وغيرته ، شموخه يشهد له الكثيرون ممن يتابعونه ويتابعون النشاطات السريانية في أغلب دول العالم " بشكل عام " وأخبار المسيحيين في لبنان بشكل خاص، وهو أيضاً كاتب وشاعر صدر له : " الحرب أن" و " متى كان وطناً متى كانت حبيبة؟ " و " اقرأ فصلا من عهدها " و هو عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين.
هو من مواليد مدينة / بيروت - المصيطبة / عام / 1954 / حائز على إجازة في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة الأميركية في بيروت ، وهوابن الجيل الثالث لعائلة أفرام السريانية التي تنحدر من "عين ورد " في "طور عابدين" ،
شخصيته ملفتة جداً من حيث ثقافتها ونشاطها وتفاعلها وتواصلها مع الآخرين ، فهو دائم الظهور على شاشات الفضائيات وكثيراً ما تأتي الصحف على ذكر نشاطاته وأخباره أو لقاءاته ، عندما سمعنا منه عن فكرة تأسيس المركز الثقافي السرياني وعرفنا بعض نشاطاته الكبيرة، آخرها تكريمه في مهرجان مار أفرام السرياني الثالث عشر في القامشلي أواخر الشهر الماضي ( شباط فبراير ) ، أردنا مقابلته طمعا بالإطلاع على تفاصيل فكرة المركز الثقافي ومواضيع أخرى كالهجرة والرابطة السريانية ، ودور العلماني في الكنيسة ووحدة السريان والكلمة الهامة التي ألقاها في القامشلي خلال مهرجان مار أفرام وغيرها من المواضيع ، بدأنا بسؤاله :
1- أنشأتم أول مركز ثقافي سرياني في العالم، نرجو إعطاءنا لمحة كاملة عن هذا المركز ؟
المركز الثقافي السرياني هو مشروع حلم، فوحده العمل الفكري والسياسي الجاد العميق الملتزم والمبني على العلم يمكن أن يوصل شعب إلى طموحه، والشعب الذي لا ذاكرة له يموت برداً. ونحن نفتقد إلى مراكز أبحاث ( في كل تنظيماتنا ومؤسساتنا وحتى الكنيسة )، وقد تحتوي أديارنا أو بطريركيتنا على مخطوطاتٍ هامة و أرشيف ضخم ، لكن الباحث الذي يريد أن يفهم قضية شعب من الصعب عليه أن يجد أي مكاناً للبحث، و سيكون للمركز أقسام متعددة هي:
المكتبة، حفظ التراث الموسيقي،الصور ،الكتب القديمة التراثية، الفن السرياني، الخرائط ، الدراسات، دار النشر.
أولاً، المكتبة: لدينا حتى الآن حوالي 2500 كتاب (ألفان وخمسمائة كتاب) بالعربية والسريانية والانكليزية والفرنسية حول حياة وتراث شعبنا، نعمل ليصل عددها إلى السبعة آلاف كتاب في نهاية هذا العام، نتصل بكبريات دور النشر والجامعات والشخصيات والكتّاب لشراء أو اقتناء الكتب.
ثانياً، حفظ التراث الموسيقي: بدأنا بحفظ كل المسموع الديني والشعبي في المركز وبعد أشهر سيتمكن محبي الموسيقى السريانية من سماع أكثر من 2000 قرص مدمج CD.
ثالثاً، الكتب القديمة التراثية التي تكاد تضيع: نشتري ما أمكن من الأسواق و الآن لدينا العشرات منها ..
رابعاً، الصور العائدة إلى مؤسسات أو عائلات مع وثائقها: هويات قديمة، تعيدنا إلى كل ما كان. وسنحاول أن نجمعها في كتب لاحقا.
خامساً، الفن السرياني من أيقونات ولوحات ومنحوتات. وهنا أدعو كل الفنانين السريان في العالم إلى المساهمة في إنشاء هذا المتحف لنبرهن أننا شعب معطاء في كافة الميادين.
سادسا، خرائط قديمة حول مناطق وأماكن تواجدنا وكنائسنا.
سابعاً، الدراسات: حيث سنحفظ مئات بل آلاف الدراسات حول كل القضايا التي تهمنا وأخيرا دار نشر مميزة في عناوين كتبها.
كما ترى هذه ورشة ثقافية بحاجة إلى ثلاثة عناصر/ المال والتنظيم والمثابرة/ ونحن على اتصال مع عدد من الجامعات للتنسيق، بعد أن تم تحديد المقر، وبدأنا بتجهيزه. و نأمل أن نقوم بافتتاحه في أوائل هذا الصيف /2007 / من خلال حفل افتتاح كبير يليق بهذا المشروع ودوره .
2- ماهو المأمول من الشعب السرياني المنتشر في العالم لمؤازرة ودعم هذا المركز ؟
عبر هذا الحوار، أدعو كل أبنائنا إلى المساعدة بأي وسيلة، عبر تقديم الوثائق أو الصور أو الكتب أو مواد الأرشيف أو الأفكار أو المال، أو عبر اقتراح الآراء التي من الممكن أن تكون قد غابت عن بالنا.
3- هل يمكن تعريفنا بالرابطة السريانية التي تترأسها في لبنان ؟ ( نشأتها، حجمها، أهدافها، نشاطاتها، تابعيتها، أعضاءها)
الرابطة السريانية تأسست عام 1975، هي صوت صارخ، مدافع عن حقوق شعبنا في لبنان، وهي تهتم بكل ما له علاقة بمصالح هذا الشعب. أنا الرئيس الرابع لها، وحجمها من عطائها ومساهماتها، وهي تضم بضع مئات من خيرة الشباب والشابات المؤمنين بأن لا بد من ترك بصمة في هذه الحياة.
هذه الرابطة، لا تتبع إلا ضميرها، طبعا هي جزء لا يتجزأ من شعبنا ومؤسساته.
مجلس قيادتها مؤلف من تسعة أشخاص ولها لجان عديدة متخصصة، توصف بأنها كخلية نحل في حركتها ونشاطاتها لا تتوقف، لديها مقر خاص وموقع إلكتروني هو www.Tebayn.com .
4- منذ متى وكيف تم انتخابك " أميناً عاماً لإتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية" ؟ وما هي العلاقة والترابط بينها وبين الرابطة السريانية؟ وما هي أهدافه؟
* الرابطة عضو في اتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية: التي تضم 12 طائفة مسيحية معترف بها في لبنان، وأنا الأمين العام للاتحاد منذ عام 1980، بعد أن تعاقب على رئاسته 5 رؤساء وبقيت أنا في موقعي كأمين عام له ، واشكر رفاقي على هذه الثقة، وهذا الاتحاد يُعدُ ضميراً للمسيحيين في لبنان.
* اتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية: إطار مستقل يجمع ممثلي كل الطوائف المسيحية في لبنان عبر رابطاتها ومجالسها للعمل الوطني الهادف إلى تأكيد وحدة لبنان وحرياته وسيادته والى تعزيز الحوار والتفاهم بين اللبنانيين على قاعدة احترام الآخر، والى الانفتاح التام على محيطنا العربي والتضامن في كل القضايا.
* تأسس الاتحاد: عام 1978 وله مواقف مشهود لها في المفاصل العامة وهو مستمر في تأدية نشاطه بزخم كبير، وقد تعاقب على رئاسته كلّ من:
- شاكر أبو سليمان 1978-1990 محام ونائب سابق – (توفي).
- ارنست كرم 1990-1996 محام.
- بيار حلو 1996-1999 نائب ووزير سابق (توفي).
- الأمير حارس شهاب 2000 – 2003.
- ميشال اده منذ عام 2003 وزير سابق.
* يهدف الاتحاد إلى:
- حشد طاقات المسيحيين في لبنان وتوحيد كلمتهم وجهودهم.
- النهوض بالشعب اللبناني وصون استقلال الوطن اللبناني وكيانه وسيادته.
- تعزيز المواطنية الصالحة على أساس من الحرية والديموقراطية.
- خلق حركة علمانية محورها روح الإنجيل التي هي بالإيمان بالله وبقيم الإنسان.
- المحافظة على حقوق ومصالح المسيحيين وعلى مكانتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية في لبنان.
- توطيد التعاون بين الهيئات الدينية والعلمانية.
* يجمع الاتحاد كلّ من المؤسسات:
1- الرابطة المارونية: الرئيس ميشال اده: رئيس الاتحاد
2- الرابطة السريانية: الرئيس حبيب افرام: أمين عام الاتحاد
3- الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس: الرئيس نقولا غلام
4- رابطة الروم الكاثوليك: الرئيس مارون أبو رجيلي
5- المجلس الأعلى للطائفة الإنجيلية فارس داغر
6- المجلس البطريركي لطائفة الأرمن الكاثوليك عبود بوغوص
7- طائفة الأرمن الأرثوذكس جان سلمانيان
8- المجلس الاستشاري للسريان الكاثوليك بيار قرنبي
9- المجلس الآشوري جورج زودو
10- المجلس الأعلى لطائفة الكلدان جورج سمعان حناوي
11- المجلس القبطي ادمون بطرس
12- المجلس اللاتيني هنري سابيلا
5- أنشأت رابطتكم موقع تيباين " على الانترنت " Tebayn.com ( أخبارنا، أخبار المسيحيين في الشرق ) ، نرجو أن تحدثنا عنه ؟
فكرة موقع " تيباين - Tebayn" ( وهي كلمة سريانية تعني أخبارنا )، من خلاله نصدر التقرير اليومي عن أحوال المسيحيين في الشرق الذي يتم إرساله إلى أكثر من خمسة آلاف مشترك من أبناء شعبنا في كل البلدان ، بواسطة البريد الالكتروني بعد ظهر كل يوم ( يمكن الاشتراك بها لمن يرغب مجاناً )..
ويُعد الموقع منبراً حراً يصرخ لقضية حق، حيث لا نجادل ولا نهاجم ولا ننشر غسيلنا الداخلي أو خلافاتنا، بل نتكلم عن مستقبل شعوب المنطقة ومشاكلها وأفكارها ومؤسساتها. وهو ليس موقعا دينيا أو تبشيريا أو كنسيا، هو موقع قضية وهي : هذا الشعب المسيحي الشرقي بكل هواجسه إلى أين ؟.
6- في أحاديث سابقة لك تحدثت عن النهضة في الكنيسة المارونية لتعلم اللغة السريانية، كما أنك كنت قد طالبت بتعليم اللغة السريانية في كل المدارس الكاثوليكية في لبنان، هل توجد تفاصيل لذلك ؟ و هل يمكن أن تعطينا فكرة عن " جمعية أصدقاء اللغة السريانية " في لبنان؟
هذا صحيح، كنا قد كتبنا مذكرة رسمية إلى قداسة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير مطالبين باعتماد اللغة السريانية وتعليمها كلغة قومية وكنسية وتراثية ووطنية لأكثر من 250000 طالب في المدارس الكاثوليكية في لبنان ، حيث قلت لقداسته أثناء زيارتنا له : أريد أن يكتب التاريخ إن الكاردينال صفير كان رائد ثورة نهضة اللغة السريانية، لكن مع الأسف، فإن هموم الموارنة الكثيرة لا تعطي الأولوية في الاهتمام لعامل اللغة .
ومما لا شك فيه أن هناك حركة عند الأوساط المارونية والسريانية نحو إعادة إحياء اللغة و بعثها وإدراك أبعادها، لكن لن يكفي ولن نرتاح إلا باحتضان رسمي لها وبتعليم رسمي!!!.
أما بالنسبة إلى جمعية أصدقاء اللغة السريانية فهي من المؤسسات السريانية التي تحمل عبء رسالة لغة مقدسة لتعليمها ونشرها وبث محبتها في النفوس ونحن نؤيدها وندعمها ونعتبرها منا.
هجرة المسيحيين من الشرق( فلسطين، العراق، لبنان، سوريا، وغيرهم )، موضوع ضخم نود الحديث عنه مطولاً:
7- لاشك أن الهجرة هي النزيف الخطير الذي يصيب وجود المسيحيين في بلدان آبائهم وأجدادهم ، هذا ما تُؤكده الإحصاءات، وهي تأخذ من تفكيركم وجهودكم الوقت الكبير ، ولكن متى ستتوقف ظاهرة الهجرة من الشرق برأيك ؟
هجرة المسيحيين من الشرق هي النزيف، وهي القضية، إذا خسرنا الأرض خسرنا كل شيء. هذا شعار حركتي السياسية والفكرية. أظن أن القرن الواحد والعشرين سيكتب إما انتهاء المسيحية المشرقية أو ثباتها، أما متى ستتوقف الهجرة فأستطيع أن أقول لك: لن تتوقف هذه الهجرة من الشرق للأسباب الآتية:
أولا: لأن شعوبنا تفتقد إلى الحس القومي الواعي الملتزم الحر المنبعث من عمق التاريخ والقضية. فقد أضحتْ مجتمعاتنا، مادية لا تقيم وزنا للهوية والجذور، تهتم بالمظاهر فقط.
ثانياً: الأوضاع السياسية الغير مستقرة في الشرق، أنظمة غير ديمقراطية، خوف من الغد، أصوليات، حروب، تهجير.
ثالثاً: الوضع الاقتصادي الذي لا يقارن. ( في شيكاغو وخلال إحدى محاضراتي قالت لي طبيبة تعيش هناك : كيف تطلب منا أن نبقى في سوريا مثلا مع دخل سنوي يقارب3000 دولار سنويا فقط بينما دخلي أنا هنا يقارب 300000 دولار، أي مئة ضعف) حتما إن الوضع المالي لأهلنا في الاغتراب هو ثروة لا يمكن مقارنتها مع أحوال المقيمين في ديارهم الأصلية.
رابعاً: سهولة التواصل والسفر الشرعي عبر إقامات نظامية أو حتى تهريباً ، وحب التماثل، الهجرة على الموضة،
السؤال: هل نبقى حراس حجارة هنا؟
8- خلال المؤتمر الماروني العالمي في لوس انجلوس كان لك مقولة (أعدتَ ذكرها في مؤتمر القامشلي ) هي : " ماذا ينفع السريان إذا ربحوا العالم كله وخسروا القامشلي وطور عابدين " ، وفي مناسبة أخرى كُنتَ قد قدمتَ وعداً: " بالبقاء بكل ما لدينا من إيمان وعزم لنشهد للسريان لأنهم نبضنا ، وللبنان لأنه قلبنا " من أين تستمد كل هذا الوفاء لتاريخ السريان؟ من يمدك بهذا الارتباط القوي بأرض الأجداد ؟
الوفاء للسريان هو الانتماء، الإنسان عليه أن يفكر ابعد من المادة، أبعد من الجسد، الإنسان له جذور له رسالة وعنده قبور، له تربة، وله تراكم حضاري، كل العلوم والآداب والفلسفة، تراكم. هذه هي العصبية، أن تكون أنتََ! هذا ليس تعصبا أبدا، أنا مع عشقي لشعبي، أحب وأحترم كل آخر، في القومية، في الدين، في المذهب.
أنا لست سلفياً. أنا لا ابكي على أطلال طور عابدين ويتوقف عطائي على البكاء لكنني أعي تماما أني في مسيرتي الكيانية ابن الجيل الثالث لجد هجر في سيفو من طور عابدين. أحفظ في منزلي حجارة من ضيعتي هذه كرمز. وأحفظ تراباً من قبر مار كبريال كنذر.
أنا بنفس القوة والإيمان، لبناني بالمطلق، مجبول بتراب أرز الوطن وأفديه. وأنا أيضا إنسان، كل ما يمت إلى قضية الإنسان وحقوقه يخصني.
9- هل صحيح أن هناك مخططاً لتهجير مسيحيي الشرق إلى بلدان أوروبا وأمريكا؟ كيف يمكن الوقوف أمام كل التيارات المتأملة من الهجرة ، وخاصة أمام الضغوطات الاقتصادية التي تواجه العائلة المسيحية في الشرق؟
ربما هناك مخططات، ربما لا، أنا لا افهم في ماذا يريد الغير( القوى، الدول، التنظيمات) قد احلل، قد أصيب وقد أخطئ. لكنني اعرف ماذا أريد أنا. هذه هي صفة الشعوب الحية. لا ماذا تنتظر أن يكتب لها بل ماذا تخطط أن تفعل هي مدركة حجمها ودورها وإمكانياتها وواقع الحالة السياسية.
ألف باء المقاومة لأي هجرة هي في عقولنا. "حين أقول وطني ليس حقيبة. أنا لست مسافر. أنا عاشق وأرضي حبيبة". كما تعلمنا من محمود درويش أكون من وحي تشبث الفلسطيني بأرضه أتعلم تجربة، ألا تشكل حكايات الشعوب قصة واحدة؟
10- الكنيسة، وهي الوطن الصغير لكل مسيحي، ومنها يستمد حبه وولاءه إلى الوطن الكبير، ومنها يُعبر عن انتمائه لتراثه وتاريخه، هل تلعب الكنيسة اليوم الدور المؤثر والكافي لاستمرار هذا التواصل أم أن هناك تقصيراً من قبل رعاتها؟
الكنيسة هي الأم، هي حافظة التراث واللغة و الإيمان والعقيدة. هي أمام تحدٍ مذهل. هل تكون مصدرة لرهبان وتصبح كنيسة الغربة والانتشار. هل تتخلى عن قضيتها القومية والوطنية وتقبل فقط أن تلحق بأبنائها حيثما هاجروا؟ نحن بحاجة إلى قيادة صارمة في اتجاه حد تحريم الهجرة.
لا أقول أن هناك تقصيرا، أقول علينا إعادة النظر بأسلوب عملنا، بآلياتنا، بدورنا، بنهضتنا، لا يمكن أن نستمر في إدارة الكنيسة في هذا القرن كما كنا في القرن السابع.
11- إذا استمر الوضع الاقتصادي الصعب، واستمرت الحروب والأحداث التي تصيب المنطقة، وهذا سيعني أن الهجرة ستستمر، وأن النزيف لن يتوقف، ماذا علينا أن نفعل لأجل البقاء ؟
للبقاء علينا أن نعمل لأجل : التنظيم، المؤسسات، الوعي، الفكر، العلم، الاقتصاد، الترابط مع الاغتراب، خلق دور أفعال أكثر لنافي محيطنا، كتنشيط شبابنا، وتأسيس مشاريع للسكن ، مؤسسات طبية أو صناعية، توفير فرص عمل. فالمقاومة هي مشروع حياة لا يتوقف، إنها ليست محاضرة أو كلمة أو موقف، إنها نبض دائم.
12- ماهي انطباعاتك عن الجاليات السريانية المنتشرة في العالم ؟ أحوالها، انتشارها، أمورها, اندماجها, حنينها إلى أوطانها؟
قدر لي أن ازور ولمرات كثيرة دول انتشارنا في أنحاء هذا الكون، للغربة فوائد ومصائب. من ايجابياتها:
الحريات، الهويات الجديدة، الوضع المادي الأفضل، العلم، الإمكانيات، الفرص، أليس مذهلا أن يتمكن سرياني من طور عابدين وصل إلى السويد في الثمانينات من أن يصبح وزيرا للتربية فيها !!!
على أن من سيئاتها: التفتت، الهوية الضائعة، فقدان الترابط العائلي وما ينجم عن هذا من مشاكل، خسارة الأرض.
نشهد نهضة مميزة في الإعلام والنشر، و الانتماء .. من يدري ربما نستفيد من هذا القدر الغاشم، ربما الحنين إلى الأوطان، بعض المشاريع فيها، بعض الوعي، يعوض عن الخسائر.
في محاضرتي في القامشلي بمناسبة مار أفرام دعوت الاغتراب "إلى الشرق در".
13- نود لو تحدثنا عن تجربة أو نشاط أو حركة مثالية ايجابية عايشتها وشاهدتها من خلال رحلاتك وعلاقاتك تتمنى لو تُعمم ؟
اعتقد أن المشاريع الصناعية الممولة من الاغتراب القامشلي مثلا، حالة مثالية، الفضائيات مثالية في المفهوم والتواصل دون التطرق إلى التقنيات أو البرامج أو الدور، الاتحادات العالمية جيدة من حيث الترابط ولو أنها بحاجة إلى ثورة، المؤتمرات تقرّب، المواقع الالكترونية تجعلنا شعبا واحدا بالفكر حيثما كنا.. الموسيقى توحدنا والرقص، إذا كنا لا نحيا في الوطن فلماذا لا يحيا الوطن فينا؟
نحن سريان، لكن دون تعصب، دون جنون، دون أوهام...
أجرى الحوار ريمون جرجي: ( كلنا شركاء ) 11/3/2007
" لن نكتب تاريخنا بأرجلنا، لن نهاجر، لن نصبح حراس حجارة " .
" لن نكتفي بالبكاء على أطلال ما أُعطينا في السابق ".
" إن الأرض كنزنا وثروتنا. والهجرة نزيفنا والمقتل ".
" إننا مواطنون كاملو الأوصاف. لا نقبل أن يزايد علينا أحد ".
" نحن سريان لكن دون تعصب، دون جنون، دون أوهام، دون مشاريع هوائية ".
" نكن كل احترام لكل شعب ولكل قومية ولكل أثنية ولكل طائفة ولكل مذهب ولكل دين ".
" نحن ننتمي إلى لغة كما ننتمي إلى وطن".
" صحيح أنّا قليل عددنا لكننا شعب كبير" .
" نقول للاغتراب "إلى الشرق درْ. ساعدوا أهلكم على الصمود في مؤسساتهم. ساهموا في المدارس والجامعات وعززوا تعليم اللغة ودور النشر وإنشاء المصانع".
عبارات ذهبية تحدثَ بها " حبيب أفرام " خلال كلمته في مهرجان مار أفرام السرياني الأخير في مدينة القامشلي، اخترتها لأبدأ بها هذا الحوار الأفلاطوني عن السريان ومسيحيي الشرق :
الملفونو(الأستاذ) " حبيب ادمون أفرام" رئيس الرابطة السريانية ، وأمين عام اتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية والرئيس السابق للاتحاد السرياني العالمي.
هو أشهر من أن يُعرًف من خلال حوار ، وأكبر من أن يُوضح بمقال أو بضعة كلمات ، فهو إنسان سرياني أرثوذكسي يعتز بمسيحيته، مشهود له بوطنيته وغيرته ، شموخه يشهد له الكثيرون ممن يتابعونه ويتابعون النشاطات السريانية في أغلب دول العالم " بشكل عام " وأخبار المسيحيين في لبنان بشكل خاص، وهو أيضاً كاتب وشاعر صدر له : " الحرب أن" و " متى كان وطناً متى كانت حبيبة؟ " و " اقرأ فصلا من عهدها " و هو عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين.
هو من مواليد مدينة / بيروت - المصيطبة / عام / 1954 / حائز على إجازة في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة الأميركية في بيروت ، وهوابن الجيل الثالث لعائلة أفرام السريانية التي تنحدر من "عين ورد " في "طور عابدين" ،
شخصيته ملفتة جداً من حيث ثقافتها ونشاطها وتفاعلها وتواصلها مع الآخرين ، فهو دائم الظهور على شاشات الفضائيات وكثيراً ما تأتي الصحف على ذكر نشاطاته وأخباره أو لقاءاته ، عندما سمعنا منه عن فكرة تأسيس المركز الثقافي السرياني وعرفنا بعض نشاطاته الكبيرة، آخرها تكريمه في مهرجان مار أفرام السرياني الثالث عشر في القامشلي أواخر الشهر الماضي ( شباط فبراير ) ، أردنا مقابلته طمعا بالإطلاع على تفاصيل فكرة المركز الثقافي ومواضيع أخرى كالهجرة والرابطة السريانية ، ودور العلماني في الكنيسة ووحدة السريان والكلمة الهامة التي ألقاها في القامشلي خلال مهرجان مار أفرام وغيرها من المواضيع ، بدأنا بسؤاله :
1- أنشأتم أول مركز ثقافي سرياني في العالم، نرجو إعطاءنا لمحة كاملة عن هذا المركز ؟
المركز الثقافي السرياني هو مشروع حلم، فوحده العمل الفكري والسياسي الجاد العميق الملتزم والمبني على العلم يمكن أن يوصل شعب إلى طموحه، والشعب الذي لا ذاكرة له يموت برداً. ونحن نفتقد إلى مراكز أبحاث ( في كل تنظيماتنا ومؤسساتنا وحتى الكنيسة )، وقد تحتوي أديارنا أو بطريركيتنا على مخطوطاتٍ هامة و أرشيف ضخم ، لكن الباحث الذي يريد أن يفهم قضية شعب من الصعب عليه أن يجد أي مكاناً للبحث، و سيكون للمركز أقسام متعددة هي:
المكتبة، حفظ التراث الموسيقي،الصور ،الكتب القديمة التراثية، الفن السرياني، الخرائط ، الدراسات، دار النشر.
أولاً، المكتبة: لدينا حتى الآن حوالي 2500 كتاب (ألفان وخمسمائة كتاب) بالعربية والسريانية والانكليزية والفرنسية حول حياة وتراث شعبنا، نعمل ليصل عددها إلى السبعة آلاف كتاب في نهاية هذا العام، نتصل بكبريات دور النشر والجامعات والشخصيات والكتّاب لشراء أو اقتناء الكتب.
ثانياً، حفظ التراث الموسيقي: بدأنا بحفظ كل المسموع الديني والشعبي في المركز وبعد أشهر سيتمكن محبي الموسيقى السريانية من سماع أكثر من 2000 قرص مدمج CD.
ثالثاً، الكتب القديمة التراثية التي تكاد تضيع: نشتري ما أمكن من الأسواق و الآن لدينا العشرات منها ..
رابعاً، الصور العائدة إلى مؤسسات أو عائلات مع وثائقها: هويات قديمة، تعيدنا إلى كل ما كان. وسنحاول أن نجمعها في كتب لاحقا.
خامساً، الفن السرياني من أيقونات ولوحات ومنحوتات. وهنا أدعو كل الفنانين السريان في العالم إلى المساهمة في إنشاء هذا المتحف لنبرهن أننا شعب معطاء في كافة الميادين.
سادسا، خرائط قديمة حول مناطق وأماكن تواجدنا وكنائسنا.
سابعاً، الدراسات: حيث سنحفظ مئات بل آلاف الدراسات حول كل القضايا التي تهمنا وأخيرا دار نشر مميزة في عناوين كتبها.
كما ترى هذه ورشة ثقافية بحاجة إلى ثلاثة عناصر/ المال والتنظيم والمثابرة/ ونحن على اتصال مع عدد من الجامعات للتنسيق، بعد أن تم تحديد المقر، وبدأنا بتجهيزه. و نأمل أن نقوم بافتتاحه في أوائل هذا الصيف /2007 / من خلال حفل افتتاح كبير يليق بهذا المشروع ودوره .
2- ماهو المأمول من الشعب السرياني المنتشر في العالم لمؤازرة ودعم هذا المركز ؟
عبر هذا الحوار، أدعو كل أبنائنا إلى المساعدة بأي وسيلة، عبر تقديم الوثائق أو الصور أو الكتب أو مواد الأرشيف أو الأفكار أو المال، أو عبر اقتراح الآراء التي من الممكن أن تكون قد غابت عن بالنا.
3- هل يمكن تعريفنا بالرابطة السريانية التي تترأسها في لبنان ؟ ( نشأتها، حجمها، أهدافها، نشاطاتها، تابعيتها، أعضاءها)
الرابطة السريانية تأسست عام 1975، هي صوت صارخ، مدافع عن حقوق شعبنا في لبنان، وهي تهتم بكل ما له علاقة بمصالح هذا الشعب. أنا الرئيس الرابع لها، وحجمها من عطائها ومساهماتها، وهي تضم بضع مئات من خيرة الشباب والشابات المؤمنين بأن لا بد من ترك بصمة في هذه الحياة.
هذه الرابطة، لا تتبع إلا ضميرها، طبعا هي جزء لا يتجزأ من شعبنا ومؤسساته.
مجلس قيادتها مؤلف من تسعة أشخاص ولها لجان عديدة متخصصة، توصف بأنها كخلية نحل في حركتها ونشاطاتها لا تتوقف، لديها مقر خاص وموقع إلكتروني هو www.Tebayn.com .
4- منذ متى وكيف تم انتخابك " أميناً عاماً لإتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية" ؟ وما هي العلاقة والترابط بينها وبين الرابطة السريانية؟ وما هي أهدافه؟
* الرابطة عضو في اتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية: التي تضم 12 طائفة مسيحية معترف بها في لبنان، وأنا الأمين العام للاتحاد منذ عام 1980، بعد أن تعاقب على رئاسته 5 رؤساء وبقيت أنا في موقعي كأمين عام له ، واشكر رفاقي على هذه الثقة، وهذا الاتحاد يُعدُ ضميراً للمسيحيين في لبنان.
* اتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية: إطار مستقل يجمع ممثلي كل الطوائف المسيحية في لبنان عبر رابطاتها ومجالسها للعمل الوطني الهادف إلى تأكيد وحدة لبنان وحرياته وسيادته والى تعزيز الحوار والتفاهم بين اللبنانيين على قاعدة احترام الآخر، والى الانفتاح التام على محيطنا العربي والتضامن في كل القضايا.
* تأسس الاتحاد: عام 1978 وله مواقف مشهود لها في المفاصل العامة وهو مستمر في تأدية نشاطه بزخم كبير، وقد تعاقب على رئاسته كلّ من:
- شاكر أبو سليمان 1978-1990 محام ونائب سابق – (توفي).
- ارنست كرم 1990-1996 محام.
- بيار حلو 1996-1999 نائب ووزير سابق (توفي).
- الأمير حارس شهاب 2000 – 2003.
- ميشال اده منذ عام 2003 وزير سابق.
* يهدف الاتحاد إلى:
- حشد طاقات المسيحيين في لبنان وتوحيد كلمتهم وجهودهم.
- النهوض بالشعب اللبناني وصون استقلال الوطن اللبناني وكيانه وسيادته.
- تعزيز المواطنية الصالحة على أساس من الحرية والديموقراطية.
- خلق حركة علمانية محورها روح الإنجيل التي هي بالإيمان بالله وبقيم الإنسان.
- المحافظة على حقوق ومصالح المسيحيين وعلى مكانتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية في لبنان.
- توطيد التعاون بين الهيئات الدينية والعلمانية.
* يجمع الاتحاد كلّ من المؤسسات:
1- الرابطة المارونية: الرئيس ميشال اده: رئيس الاتحاد
2- الرابطة السريانية: الرئيس حبيب افرام: أمين عام الاتحاد
3- الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس: الرئيس نقولا غلام
4- رابطة الروم الكاثوليك: الرئيس مارون أبو رجيلي
5- المجلس الأعلى للطائفة الإنجيلية فارس داغر
6- المجلس البطريركي لطائفة الأرمن الكاثوليك عبود بوغوص
7- طائفة الأرمن الأرثوذكس جان سلمانيان
8- المجلس الاستشاري للسريان الكاثوليك بيار قرنبي
9- المجلس الآشوري جورج زودو
10- المجلس الأعلى لطائفة الكلدان جورج سمعان حناوي
11- المجلس القبطي ادمون بطرس
12- المجلس اللاتيني هنري سابيلا
5- أنشأت رابطتكم موقع تيباين " على الانترنت " Tebayn.com ( أخبارنا، أخبار المسيحيين في الشرق ) ، نرجو أن تحدثنا عنه ؟
فكرة موقع " تيباين - Tebayn" ( وهي كلمة سريانية تعني أخبارنا )، من خلاله نصدر التقرير اليومي عن أحوال المسيحيين في الشرق الذي يتم إرساله إلى أكثر من خمسة آلاف مشترك من أبناء شعبنا في كل البلدان ، بواسطة البريد الالكتروني بعد ظهر كل يوم ( يمكن الاشتراك بها لمن يرغب مجاناً )..
ويُعد الموقع منبراً حراً يصرخ لقضية حق، حيث لا نجادل ولا نهاجم ولا ننشر غسيلنا الداخلي أو خلافاتنا، بل نتكلم عن مستقبل شعوب المنطقة ومشاكلها وأفكارها ومؤسساتها. وهو ليس موقعا دينيا أو تبشيريا أو كنسيا، هو موقع قضية وهي : هذا الشعب المسيحي الشرقي بكل هواجسه إلى أين ؟.
6- في أحاديث سابقة لك تحدثت عن النهضة في الكنيسة المارونية لتعلم اللغة السريانية، كما أنك كنت قد طالبت بتعليم اللغة السريانية في كل المدارس الكاثوليكية في لبنان، هل توجد تفاصيل لذلك ؟ و هل يمكن أن تعطينا فكرة عن " جمعية أصدقاء اللغة السريانية " في لبنان؟
هذا صحيح، كنا قد كتبنا مذكرة رسمية إلى قداسة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير مطالبين باعتماد اللغة السريانية وتعليمها كلغة قومية وكنسية وتراثية ووطنية لأكثر من 250000 طالب في المدارس الكاثوليكية في لبنان ، حيث قلت لقداسته أثناء زيارتنا له : أريد أن يكتب التاريخ إن الكاردينال صفير كان رائد ثورة نهضة اللغة السريانية، لكن مع الأسف، فإن هموم الموارنة الكثيرة لا تعطي الأولوية في الاهتمام لعامل اللغة .
ومما لا شك فيه أن هناك حركة عند الأوساط المارونية والسريانية نحو إعادة إحياء اللغة و بعثها وإدراك أبعادها، لكن لن يكفي ولن نرتاح إلا باحتضان رسمي لها وبتعليم رسمي!!!.
أما بالنسبة إلى جمعية أصدقاء اللغة السريانية فهي من المؤسسات السريانية التي تحمل عبء رسالة لغة مقدسة لتعليمها ونشرها وبث محبتها في النفوس ونحن نؤيدها وندعمها ونعتبرها منا.
هجرة المسيحيين من الشرق( فلسطين، العراق، لبنان، سوريا، وغيرهم )، موضوع ضخم نود الحديث عنه مطولاً:
7- لاشك أن الهجرة هي النزيف الخطير الذي يصيب وجود المسيحيين في بلدان آبائهم وأجدادهم ، هذا ما تُؤكده الإحصاءات، وهي تأخذ من تفكيركم وجهودكم الوقت الكبير ، ولكن متى ستتوقف ظاهرة الهجرة من الشرق برأيك ؟
هجرة المسيحيين من الشرق هي النزيف، وهي القضية، إذا خسرنا الأرض خسرنا كل شيء. هذا شعار حركتي السياسية والفكرية. أظن أن القرن الواحد والعشرين سيكتب إما انتهاء المسيحية المشرقية أو ثباتها، أما متى ستتوقف الهجرة فأستطيع أن أقول لك: لن تتوقف هذه الهجرة من الشرق للأسباب الآتية:
أولا: لأن شعوبنا تفتقد إلى الحس القومي الواعي الملتزم الحر المنبعث من عمق التاريخ والقضية. فقد أضحتْ مجتمعاتنا، مادية لا تقيم وزنا للهوية والجذور، تهتم بالمظاهر فقط.
ثانياً: الأوضاع السياسية الغير مستقرة في الشرق، أنظمة غير ديمقراطية، خوف من الغد، أصوليات، حروب، تهجير.
ثالثاً: الوضع الاقتصادي الذي لا يقارن. ( في شيكاغو وخلال إحدى محاضراتي قالت لي طبيبة تعيش هناك : كيف تطلب منا أن نبقى في سوريا مثلا مع دخل سنوي يقارب3000 دولار سنويا فقط بينما دخلي أنا هنا يقارب 300000 دولار، أي مئة ضعف) حتما إن الوضع المالي لأهلنا في الاغتراب هو ثروة لا يمكن مقارنتها مع أحوال المقيمين في ديارهم الأصلية.
رابعاً: سهولة التواصل والسفر الشرعي عبر إقامات نظامية أو حتى تهريباً ، وحب التماثل، الهجرة على الموضة،
السؤال: هل نبقى حراس حجارة هنا؟
8- خلال المؤتمر الماروني العالمي في لوس انجلوس كان لك مقولة (أعدتَ ذكرها في مؤتمر القامشلي ) هي : " ماذا ينفع السريان إذا ربحوا العالم كله وخسروا القامشلي وطور عابدين " ، وفي مناسبة أخرى كُنتَ قد قدمتَ وعداً: " بالبقاء بكل ما لدينا من إيمان وعزم لنشهد للسريان لأنهم نبضنا ، وللبنان لأنه قلبنا " من أين تستمد كل هذا الوفاء لتاريخ السريان؟ من يمدك بهذا الارتباط القوي بأرض الأجداد ؟
الوفاء للسريان هو الانتماء، الإنسان عليه أن يفكر ابعد من المادة، أبعد من الجسد، الإنسان له جذور له رسالة وعنده قبور، له تربة، وله تراكم حضاري، كل العلوم والآداب والفلسفة، تراكم. هذه هي العصبية، أن تكون أنتََ! هذا ليس تعصبا أبدا، أنا مع عشقي لشعبي، أحب وأحترم كل آخر، في القومية، في الدين، في المذهب.
أنا لست سلفياً. أنا لا ابكي على أطلال طور عابدين ويتوقف عطائي على البكاء لكنني أعي تماما أني في مسيرتي الكيانية ابن الجيل الثالث لجد هجر في سيفو من طور عابدين. أحفظ في منزلي حجارة من ضيعتي هذه كرمز. وأحفظ تراباً من قبر مار كبريال كنذر.
أنا بنفس القوة والإيمان، لبناني بالمطلق، مجبول بتراب أرز الوطن وأفديه. وأنا أيضا إنسان، كل ما يمت إلى قضية الإنسان وحقوقه يخصني.
9- هل صحيح أن هناك مخططاً لتهجير مسيحيي الشرق إلى بلدان أوروبا وأمريكا؟ كيف يمكن الوقوف أمام كل التيارات المتأملة من الهجرة ، وخاصة أمام الضغوطات الاقتصادية التي تواجه العائلة المسيحية في الشرق؟
ربما هناك مخططات، ربما لا، أنا لا افهم في ماذا يريد الغير( القوى، الدول، التنظيمات) قد احلل، قد أصيب وقد أخطئ. لكنني اعرف ماذا أريد أنا. هذه هي صفة الشعوب الحية. لا ماذا تنتظر أن يكتب لها بل ماذا تخطط أن تفعل هي مدركة حجمها ودورها وإمكانياتها وواقع الحالة السياسية.
ألف باء المقاومة لأي هجرة هي في عقولنا. "حين أقول وطني ليس حقيبة. أنا لست مسافر. أنا عاشق وأرضي حبيبة". كما تعلمنا من محمود درويش أكون من وحي تشبث الفلسطيني بأرضه أتعلم تجربة، ألا تشكل حكايات الشعوب قصة واحدة؟
10- الكنيسة، وهي الوطن الصغير لكل مسيحي، ومنها يستمد حبه وولاءه إلى الوطن الكبير، ومنها يُعبر عن انتمائه لتراثه وتاريخه، هل تلعب الكنيسة اليوم الدور المؤثر والكافي لاستمرار هذا التواصل أم أن هناك تقصيراً من قبل رعاتها؟
الكنيسة هي الأم، هي حافظة التراث واللغة و الإيمان والعقيدة. هي أمام تحدٍ مذهل. هل تكون مصدرة لرهبان وتصبح كنيسة الغربة والانتشار. هل تتخلى عن قضيتها القومية والوطنية وتقبل فقط أن تلحق بأبنائها حيثما هاجروا؟ نحن بحاجة إلى قيادة صارمة في اتجاه حد تحريم الهجرة.
لا أقول أن هناك تقصيرا، أقول علينا إعادة النظر بأسلوب عملنا، بآلياتنا، بدورنا، بنهضتنا، لا يمكن أن نستمر في إدارة الكنيسة في هذا القرن كما كنا في القرن السابع.
11- إذا استمر الوضع الاقتصادي الصعب، واستمرت الحروب والأحداث التي تصيب المنطقة، وهذا سيعني أن الهجرة ستستمر، وأن النزيف لن يتوقف، ماذا علينا أن نفعل لأجل البقاء ؟
للبقاء علينا أن نعمل لأجل : التنظيم، المؤسسات، الوعي، الفكر، العلم، الاقتصاد، الترابط مع الاغتراب، خلق دور أفعال أكثر لنافي محيطنا، كتنشيط شبابنا، وتأسيس مشاريع للسكن ، مؤسسات طبية أو صناعية، توفير فرص عمل. فالمقاومة هي مشروع حياة لا يتوقف، إنها ليست محاضرة أو كلمة أو موقف، إنها نبض دائم.
12- ماهي انطباعاتك عن الجاليات السريانية المنتشرة في العالم ؟ أحوالها، انتشارها، أمورها, اندماجها, حنينها إلى أوطانها؟
قدر لي أن ازور ولمرات كثيرة دول انتشارنا في أنحاء هذا الكون، للغربة فوائد ومصائب. من ايجابياتها:
الحريات، الهويات الجديدة، الوضع المادي الأفضل، العلم، الإمكانيات، الفرص، أليس مذهلا أن يتمكن سرياني من طور عابدين وصل إلى السويد في الثمانينات من أن يصبح وزيرا للتربية فيها !!!
على أن من سيئاتها: التفتت، الهوية الضائعة، فقدان الترابط العائلي وما ينجم عن هذا من مشاكل، خسارة الأرض.
نشهد نهضة مميزة في الإعلام والنشر، و الانتماء .. من يدري ربما نستفيد من هذا القدر الغاشم، ربما الحنين إلى الأوطان، بعض المشاريع فيها، بعض الوعي، يعوض عن الخسائر.
في محاضرتي في القامشلي بمناسبة مار أفرام دعوت الاغتراب "إلى الشرق در".
13- نود لو تحدثنا عن تجربة أو نشاط أو حركة مثالية ايجابية عايشتها وشاهدتها من خلال رحلاتك وعلاقاتك تتمنى لو تُعمم ؟
اعتقد أن المشاريع الصناعية الممولة من الاغتراب القامشلي مثلا، حالة مثالية، الفضائيات مثالية في المفهوم والتواصل دون التطرق إلى التقنيات أو البرامج أو الدور، الاتحادات العالمية جيدة من حيث الترابط ولو أنها بحاجة إلى ثورة، المؤتمرات تقرّب، المواقع الالكترونية تجعلنا شعبا واحدا بالفكر حيثما كنا.. الموسيقى توحدنا والرقص، إذا كنا لا نحيا في الوطن فلماذا لا يحيا الوطن فينا؟