المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "تنكة" سمنٍ فارغة


o7أحمدro
15-05-2009, 03:37 PM
الليلُ مساحةُ صمتِ الجسد, لتُعفى تجاعيدُ آلامهِ بكفِ السكونِ وتعتملَ في الروحِ هواجس الذكريات.
الذكريات المستعرة في الإنبعاث يوم ميلاده.
لنذهب إلى زمكانٍ آخر , سورية الجنوبية , أيار, من عام ألفٍ وتسعمئةٍ وأربعةٍ وسبعين.
نظراتهُ الجاثيةُ على وجهها ما فتئت تنخرُ فيه لتكشفَ أنهُ المختنقُ بطهرِ أرضٍ انصهرَ بخلاياها لاجئاً
آمناً مذ شرعوا باللجوءِ غير آمنين عندما صيِّرت لأجلهم لفظةُ "النكبة ".
فتتت أمهُ محاولاته في الإيغارِ أعمق...
ـ البدوية "نزهة" أتاها المخاضُ وهي في الحصاد ولدت وصرت طفلها لوحدها وتابعت عملها... يا لجبروتِ
العربيات.
نزعَ إلى طمرِ الخجلِ المتنامي من ملاحمه.
ألم تنتهي منْ تجديلِ هذا الحبلِ بعدْ ؟! ... وصمتٌ خُلقْ.
تململَ وراحتْ شفتاهُ تنهرصان قبل أن تستطيعا دفعَ قلقِ تساؤلٍ تعاظمت رغبتهُ في التعري من سريرته.
ـ هل انتصروا منذ أشهر ؟! هلْ خرجوا منَ الحربِ منتصرين ؟! ... إذاً لماذا لمْ نعدْ إلى دارنا حيثُ منْ
تحلفينَ برؤوسهم كلَّ يوم؟!
ألقتْ إليهِ الحبلِ ورمتْ بهِ خارجَ سياجِ البيتِ الحجري, لتؤوبَ إلى غسيلٍ برمَ منَ الدعكِ بيدين لا تلتفتانِ
بدفئهما إلا لدعواتٍ وصلواتٍ تهفها الروح لأجل دارها حيث ثمَّ منْ تحلفُ بمفاتيحهمْ كلَّ يومْ .
الحبلُ أصبحَ في يدهْ وينقصهُ الآن "تنكة" سمنٍ فارغة .
استحضرَ كلماتِ جدهِ المتساقطة كزهرِ لوزٍ يبحثُ عن تربةٍ خصبة!:
"تنكة" سمنٍ فارغة وحبل هما ما تحتاجهُ لتستطيعَ السباحةَ في البركة .أحكمْ إغلاقَ العلبةِ المكعبة واربطها
بحبلٍ على ظهركَ واقفزْ إلى الماء لتطفو بك كما تطفو الشهادةُ بأرواحهم للبعيد ...
لنا الحبالُ وللأغنياءِ الأحزمةُ فهم يستعيضونَ عن الحبالِ التي تجدلها النساء بالأحزمةِ الجلدية ,,, لا لشيء إلا
للتمايزِ فتلكَ الأحزمة تتركُ سيوراً جلدية ملتهبة على الجسد.
لو أن أمهُ تقبل أن تأخذَ تنك السمن من وكالة اللاجئين لحظي بواحدة ولما احتاجَ أن يسدرَ في الأروقةِ العشوائيةِ
متأملاً أن تنبجسَ له الأرضُ بواحدة.
يتابعُ جرَّ أقدامهَ في الترابِ متمتماً بحنق :
ـ " إن أخذناها فنحن نأخذ ثمن الأرض " ضجرتْ من هذه العبارةِ التي تكررينها
ما علاقة السكر والأرز والشاي , السمنُ والزيت الذي يوزعنه بالعودة.
ظلَّ يردد تلك الجملة يغنيها تارةً ويحكيها بتهدجٍ ساخرٍ تارةً أخرى وتارة تتراقصُ أقدامهُ على وقعها فيرنم
جزءاً منها ويتركُ لأقدامهِ أن تعزفَ الآخر.
فجأةً انبجست الأرضُ بعلبِ السمنِ الفارغة !
شاحنةٌ تابعةٌ للوكالة كانت قد قُلبت هاهنا وتمَّ سحبها.
أخبرته بذلكَ بقعة الأرض المتعرقة بالسمنِ والزيتِ المخلوطين بحمولات الوكالة من أرزٍ وخلافه, المهم أنه
وجد علبَ سمنٍ فارغة. استلب إحداهن وتقافزَ إلى البركة.
كان مع هرولته يحاولُ إحكامَ الطرقِ على الغطاء بعد أن حشى أطرافه بما استطاع أن يلملمه من مزق أقمشةٍ
بالية فهو لم يحتكم على قرشٍ واحد ليستطيع أن يلحمهُ عند الحداد.
وصل إلى البركة والأرض التي تفضلتْ عليهِ بتلكَ العلبة لم ترض عوضاً عنها إلا ابتلاعه !
بضع أطفالٍ وشبانٍ يسبحون والكثير من العلب الملقية على التراب تركها أصحابها بعد أن عافوا السباحة ...
رمى "تنكة" السمن الفارغة التي كان يحتضنها وفرَّ باكياً كذئبٍ يبحث عن حافةِ الأرضِ يتوحدُ معها ويصرخ ... ويصرخ ...
وعند القاع !
"الحبل , الأحزمة الجلدية , البندقية , الوكالة , اللاجؤون , "علبة فارغة" , الأرض"
كلماتٌ أخذت تعبث بفكر ذاك الفتى الصغيرِ الواقفِ على سقفِ غرفةٍ
يُخزنُ فيها التبن كان السقف مكونا من ثلاثة أقواسٍ تضج بالعظمة تصلُ بينها صخورٌ بازلتيةٌ ضخمة ويسترها
التراب يتوسطها فتحة ليلقى التبن منها.
ظلَّ يحملق من فتحة السقف في ذاك الاتساع حيث أخذ المساء يشرب الضوء المتبقي. دفعه أحد مجانين القرية
فأسقطه من تلك الفتحة لم يعنه أي ألمٍ طاوله,
لكنه شهقَ جراء خوفٍ عمّدته به جنية العتمة. يعود الحبل الذي لا يزال في كفه ليمسده بطمأنينة أمٍ يتناهى إليه
رجع صياحها على أب ذلك المجنون ...
(الجسد مساحة صمت الليل ليكف السكون تجاعيد آلامه ويتذكر اعتمال الهواجس)
علمته ملائكة العتمة كيف يحافظ على هدأته إلى أن تلتقفه أمه فظلَّ يهمهم
"إن أخذناها فنحن نأخذ ثمن الأرض "
"إن أخذناها فنحن نأخذ ثمن الأرض ".

أحمد قــ طليش

الغالية
15-05-2009, 10:07 PM
القصة ذكرتني بقصص غسان كنفاني
مشكور أخ أحمد

o7أحمدro
17-05-2009, 09:18 AM
القصة ذكرتني بقصص غسان كنفاني
مشكور أخ أحمد
تحية
أولاً شكر على مرورك ,,, الشيء الآخر ربما لم أقرأ لغسان كنفاني إلا شيء كان مقررا علينا في الإعدادية ...

بعدما قرأت ردك انتابتني حالة من التفكير هل من الجيد بالنسبة لي أن يحمل قلمي شيء يذكر بذلك الكاتب الفلسطيني ! أم من السيء وعلي قلمي أن يكون ذاته ولا يشبه أحداً !
صدقاً لم أجد الجواب فمن كل اتجاه يمكن أن تتشعب الكثير من الأروقه ...
ربما الآن أذكر قراءة فيروايةله ربما كانت رجال تحت الشمي سمعتها في برنامج إذاعي منذ مدة وأنا الآن أستحضرها واجد أن في قصتي أشارات تشبه طريقة غسان في اشاراته ...


على كل حال ... شكراً لأنك فتحت هذا الهاجس كي أذهب أبعد :)

تحية
سلام

الفينيقية
18-05-2009, 11:23 AM
أهلاً أحمد...

أنت فعلاً ذهبت أبعد بكثير في نصوصٍ أخرى ...
لكنّ ذلك لا ينفي روعة نصك هذا...
لغتك السردية رفيعة المستوى.. والمشهدية كانت محكمة.. وكأنك تحمل آلة تصوير وتتجول فيها لترصد تفاصيل الشخصية وهواجسها وتأملاتها.
كل عبارة تمنح القارئ شحنة من الترقب ليعرف ماذا حدث بعد ذلك...
ولو أن خيوط القصة أفلتت مني في الأسطر القليلة قبل الأخيرة.


مرحباً بك في عائلتنا السريانية وشكراً لتلبيتك الدعوة....
نأمل منك التواصل الدائم مع المنتدى.

o7أحمدro
08-06-2009, 09:33 AM
أهلاً أحمد...

أنت فعلاً ذهبت أبعد بكثير في نصوصٍ أخرى ...
لكنّ ذلك لا ينفي روعة نصك هذا...
لغتك السردية رفيعة المستوى.. والمشهدية كانت محكمة.. وكأنك تحمل آلة تصوير وتتجول فيها لترصد تفاصيل الشخصية وهواجسها وتأملاتها.
كل عبارة تمنح القارئ شحنة من الترقب ليعرف ماذا حدث بعد ذلك...
ولو أن خيوط القصة أفلتت مني في الأسطر القليلة قبل الأخيرة.


مرحباً بك في عائلتنا السريانية وشكراً لتلبيتك الدعوة....
نأمل منك التواصل الدائم مع المنتدى.
يا أهلا
القصة نشرت في جريدة الصورة السورية الرسمية في الإثنين الماضي مع وجود بعض الأخطاء الإملائية فيها .. ومع ذلك
أكتشف أنا ان القصة فاشلة القصة كانت سيئة برأيي
سأقول لماذا
أنا ذهبت في بعض المناظق إلى إيحاءات بعيدة .. وبنفس الوقت لم أحسن ربط علبة السمن أو تنكة السمن بذات الفكرة فقد عنيت بغرائبية الفكرة عن حبكة تلك الرمزية لها ففي علبة السمن لم أرمز لشيء محدد مما أضاع القراء هنا لكن طريقة حصوله عليها والتحليل النفسي للشخصية وبعض الاشارات ضمن الأقوال تلك ما اشتغلت عليه وعلى كونها ذكرى في عيد ميلاد ذلك المتكلم عنه.

أشكرك على هذه الاطلالة