المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مريض بالوطن


المهاجر
27-03-2009, 05:09 PM
اول مشاركة لي اتمنى ان تنال اعجابكم





ملطّخةٌ ثيابُها بالأمَل .. ملوّثةٌ بدبقِ المُمكِن ..
تُحيطُ برسغها أساوِرُ الكلامِ الأنيق .. ترتدي قرطَينِ لامعَينِ ككذبةٍ مُحترفة ..
وعلى رأسِها تقِفُ أُمنيةٌ مّا تسحبُ ثوبَها القصيرَ إلى الأسفَلِ .. خجَلاً من نظَراتِ الواقعِ ! .
ترتدِي فُستاناً أسوَدَ ليسَ قصيراً بما يكفي لتكونَ عاهِرة ..
بل تحتَ العُهرِ بقليلٍ .. كما تفعلُ السيّدات ! .
وتضعُ عِطرَاً يشرحُ لكَ بدقّةٍ أينَ تقعُ زهورُ اسكوتلندا الحمراء .
تبحَثُ عنهُ .. بينمَا يغرقُ هوَ في البحثِ عن وطَنِه ..
يُخبِرُها كمْ هوَ مُشرّد .. فتعتقِدُ أنّهُ يسألُها العِنَاقَ بطريقة دراميّة ..
يُنحِلُه الأرَق .. فتظنُّ أنّها تشغلُ عقلَه ..
يركُضُ بينَ المُدُن .. فترجّحُ أنّهُ يبحثُ لها عن الخاتَمِ المُناسِب ..
ولا تزالُ تجهلُ بعد .. كم هوَ مريضٌ بالوطَن .

يقُولُ لها .. أنّ رائِحَتهُ كالتشرّدِ ، كالشّوارِع ، فتردّ .. عليكَ بعطرٍ كلاسيكيّ من Boss ..
يشتكي .. من بردِ المُدُنِ التي لا تعرِفُه .. فتبتاعُ له سترةً سوداءَ كالحة من كالفن كلاين ! ..
تراهُ بعدَ أسابيع .. وقد نحلَ تماماً حتّى عرَضَ سِروالُه ..
فتفرَح .. " يُمكنكَ الآن ارتداء أحزِمَةِ موسكينو لتشدّ حُزنك ! " ..
ينسى نفسَهُ لعدّةِ أيّام .. يشردُ قلبُه .. فتعلّق .. أنّ " الديرتي فيس " يُناسِبكَ تماماً ! .
....

ارتِداءُ ربطةِ عنُقٍ يجعلُ منكَ شخصاً مُحترَماً وإنْ لم تكُن كذلك ..
هذا الغِطاءُ يجعلُ منكِ قدّيسةً وإنْ مارستِ الكُفرَ تحتَه ..
تحتَ اللّحيةِ الكثيفةِ يُمكنُ أنْ تزرعَ حقلَ ماريجونَا وستظلُّ ناطِقاً باسمِ الله .

ماذا تريدُ بعدَ أن قطعتَ عدّة أميالٍ من الخيانَة ؟
أن يعتذِرَ منكَ الوطَن ؟ أن يضعَ نعياً باسمِكَ على صدرِه ؟
أنْ يُطارِدكَ بثقلِهِ من دولةٍ إلى أُخرى ؟ أنُ يُقدّمَ إعلاناً عنكَ في صفحَاتِ المفقُودين ؟
أنْ يمرَضَ عدّةَ أيّامٍ لأنّكَ حزمتَ مشاكِلَكَ ومضَيت ؟
الوطنُ ليسَ أنت ، الوطنُ ليسَ عنك ، الوطنُ يظلُّ وطَناً وإن أعلنتَ أنّهُ ليسَ كذلك .

يتناقلُون .. أنّكَ منفيّ ، رأسُكَ يخرُّ كُفراً ، وفي صدرِكَ قُنبلةُ خيانة .. تهدّدُ ولا تنفجِر ..
ويقُولونَ أنّكَ يتيم .. جسدُ والِدكَ انفجرَ حِفاظاً على أمنِ الحدُود ..
وصدرُهُ كانَ مُستَودعاً للكلامِ الفارِغ .. الذّي قد يُسمّيهِ البعضُ وطنيّة ! .
ولكنّكَ وحيداً تعلمُ .. أنّهُ ماتَ قبلَ أن يقُول .. " لا تكُن أحمقاً مثلي " ..
و " خُذ ولا تعطي " .. و " لا تصدّق أكذُوبةً شعبيّةً يُقالُ لها وطن " ! .
يُخبركَ طبيبكَ النّفسي أنّك تعتقِدُ أنّ الوطنَ قتلَ أبُوك ..
يخبرِكَ محلّلٌ سياسيّ أنّكَ تقومُ بالخطأِ الصحيحْ ..
تخبِركَ امرأتُكَ أنّك " وطنُها " الوحِيد ..
ويخبِرُكَ قلبُكَ أنّهُم جميعاً مخطئون ! .
وتشتكِي منَ الوطَن .. وكأنّ الوطَنَ طوى نفسَهُ كجريدةٍ وأخذَ يضرِبُ ظهركَ بلا توقّف .
تشتكِي وتقُولُ أنّكَ كسبتَ أرطالاً من الجوعِ والخيانَة ، ولا حميةَ تنفعُ في دفعِ اشتهاءِ الوطن ! .

تقُولُ ذلكَ .. ولستَ مُتأكّداً ..
لستَ مُتأكّداً من أنّكَ ترغبُ في حلّ قضيّتك ..
إنْ حُلّتِ القضيّةُ ماذا ستفعلُ أنتَ وخمسونَ قناةً وسبعونَ ألفاً من المُحلّلين ؟ .
القضيّةُ يجِبُ أن تبقى . لو انتهَت سينتهي كلُّ ما تعرِفُه ،
ولِدتَ أنتَ وفي صدرِكَ كلُّ هذا القلَق ، وكلّ كلامكَ مذ ولِدَ غيركَ شجبٌ واعتِراضٌ ولعن ،
لو أصبحَ هذا الوطنُ بخيرٍ لانتهى كلّ هذا العالَمِ الذي تدرّبتَ عليهِ في لحظة ! .
الجُمَلُ ، الأدوَار ، الأفكَار .... سوفَ لن يبقى لديكَ شيءٌ تفعَله !
وستُدفعُ إلى خارِجِ المسرَح .
اسألهُم . جميعُهُم لا يُريدُونَ لحياتِهِم أن تنتهي .. لا يُريدُونَ حلّ القضيّةِ لأنّها تُعطيِهم
أسباباً أُخرى للوجُودِ والكلام .. ولا أحَدَ يعي ذلك .
ماذا لو انتهَت القضيّة ؟ ، ستخسرُ المكتباتُ وزنَها وستُصبِحُ معظمُ صفحاتِ الجرائدِ بيضاء ..
وسيعُودُ مديرُ التّحريرِ قبلَ السّاعةِ الثانيةَ عشرةَ ظُهراً لأنّهُ يقُولُ كما يقُولُ غيرُه
" لا يُوجَدُ كلامٌ آخَرٌ سوى ما حدَثَ البارِحة " ، وبالتّالي لا عمَلَ سوى تجديدِ صفحاتِ الإعلانات
وإعدادِ القهوةِ المُرّة ، وسيجِدُ زوجَتَهُ في الفِراشِ معَ مُحرّرٍ شابّ أخذَ هذا اليومَ إجازَة .
لو أنّ القضيّةَ استمرّت لكانَ هذا المُديرُ منهمكاً في العمَلِ حتّى المسَاء ؛
والزّوجةُ منهمكةٌ في النّومِ ، والمُحرّرُ مُنتدبٌ في مدينةٍ أُخرى جاهِزةٍ للمَوت ..
والجميعُ بخير ! .

ألا يَرونَ أنّنا أفضلُ هكذا ، نُفجّرُ غضَبنا تجاهَ شيءٍ موحّدٍ ونعُودُ منهكَينِ ولا نجِدُ
وقتاً لخيانةِ أحدٍ مّا ! .
وتعُودُ لهذيانٍ محمُوم .. تشرعُ في البُكاءِ حينَ تُدرِكُ أنّكَ أضعتَ أغلبَ عُمرِكَ
تًلاحِقُ قضيّةً ليستْ لك .. أرضاً لا تعرِفُ اسمك .. وطَناً لم يدقّ البابَ حينَ فعلَ الجميعُ ذلك ،
بعدَ أن انفجرَ جسدُ أبيكَ دِفاعاً عن تُرابٍ رخيص .. حينَ منحَ أشلاءَهُ لقضيّةٍ خاسِرة .
حينَ فعلَ ذلكَ كانَ الجميعُ يكتُبُ خلفَ الجُدران ، على المكاتِب ، تحتَ قوانينِ الشّعرِ
لا قوانينِ المَوت ، الأشخاصُ الذينَ دخّنوا لقبَ البطُولةِ وقطراتُ ساخِنَة من دمِ أبيكَ
بردَت على الرّصيفِ ولم يغسِلها أحد .
أنتَ تعتقِدُ أنّهُ لا زالَ هُناكَ وقتٌُ لك كي تتراجَع ..
تضرِبُ رأسَكَ بالطّاوِلةِ مِرارَاً لتتسرّبَ الذّكرياتُ المُشينة ..
تكتُبُ على صدرِكَ " للتّقبيلِ لعدمِ الاهتمام " لعلّ الوطَنَ يفهَمُ ويخرُجُ من دونِ أن تُضطَرّ
لقطِعِ الكهرباءِ ومُمارسَةِ ضغُوطِ صاحِبِ العمَارَة ! .
وقلبُكَ يحتاجُ أثاثاً جديداً .. ليسَ على كنباتِهِ بُقَعُ التشرُّدِ أو رائِحَةُ الوطَن .
تغسِلُ يديكَ جيّداً .. من أجلِ أنْ تنسى تلوّثَ الكِتَابة ..
تفرِكهُما بقطعةٍ خشِنةٍ تحتَ الصّنبورِ حتّى يختلِطَ الدّمُ والماءُ ..
تخلعُ أظافِرَكَ بقسوةٍ حتّى تتساقَطَ الحروفْ ..
تحرِقُ آخرَ الأوراقِ النّاعِمَةِ على مكتبِك ..
تضعُ التّلفازَ في غُرفةِ النّومِ على الصّوتِ العاليّ حتّى لا تسمعَ أفكارَكَ المُلحّة ..
تصرخُ حتّى لا يسمعُوا انكساركَ .. ورنّات تسَاقُطِ المبادئِ في رُوحِك ! .
تسمعُ صدى سلاسلِ الانتماءِ وتقرأُ مشاريع الولاءِ في وجوهِ روّادِ المقهى ..
فتبتَاعُ آلةَ إعدادِ القهوةِ ولا تخرجُ من شقّتِك ..
تفعلُ أيّ شيءٍ وكلّ شيءٍ حتّى يترُككَ الوطنُ لشأنِك ..
وتعُودُ في الفجرِ تكتُبُ شيئاً على الجِدَار .. بقلمٍ أخيرٍ قرّرتَ في لحظةِ جوعٍ ألاّ تكسِرَه ..
ويدٍ ملفوفةٍ بشاشٍ أبيض ..
تفضَحُ جُرحاً رطباً ودماً مُبالِغٌ في الحُمرةِ والخيانَة .. ولا يؤلِمُك سوى ألاّ تكتُب .
والآن .. لستُ مُخطئةً حينَ أقُولُ أنّكَ بشكلٍ مّا .. مريضٌ بالوطَن .

قمر الزمان @
27-03-2009, 05:15 PM
اولا اهلا و سهلا

نورت يا مهاجر متى العودة إن شاء الله :D

بداية رائعة لكتابة حقيقة قاسية

شكرا لك

ياقوت
27-03-2009, 07:37 PM
المهاجر
http://www.arb-up.com/files/arb-up-2008-6/zeZ71656.gif (http://www.arb-up.com/)

أصلح الله أوضاع والنفوس

ابو العلا
27-03-2009, 07:45 PM
حياك الله يا المهاجر ...نور المنتدى بقلم جديد ورائع

شكرا لك على المشاركة الجميلة

محمود قاسم صالح
27-03-2009, 08:08 PM
أهلا وسهلا فيك يا المهاجر وكتابة جميلة وتعابير منمقة و تراكيب مترابطة الله يعطيك العافية وبتمنا ما تطول علينا كتاباتك:):D:p;);)B)

APOLO
31-03-2009, 01:51 PM
شيء جميل جداً
ولكن أعتقد أنه وضع بالمكان الخطأ فهنا أعتقد القصائد فقط