المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العرب و الكتابة - الدكتور عدنان البني


admin
19-11-2008, 12:37 PM
العرب و الكتابة
ـــ الدكتور عدنان البني
تمهيد: إن البحوث التي تفيض مادتها عن حدود الزمان والمكان تقع في إشكالية الانسياح إلى أماكن وعصور فضفاضة يصعب على الدارس لملمتها وتأطيرها وإضاءتها بقليل أو كثير من نور المعرفة. ودون الدخول في متاهات النظريات حول توصيف العرب ومنابعهم وإنسياحهم والطروحات القديمة والحديثة حول مسألة الجنس العربي، من حيث التحليل الانتروبولوجي -الفيزيائي والثقافي - الحضاري، نسرع لنقول بكل تواضع إننا هنا في صدد شيء آخر تماماً، ولا نسلك سلوك المشرعين والمنظرين بل نسري في المسلك الأثري - التاريخي، ولا نتعدى حدود الشواهد المعاينة، ولا نتلمس أو نلتمس من الكتابات إلا ما يجسد ويسجل نطقاً عربياً صريحاً أو ما خلفه عرب صرحاء بلغتهم أو بلغة غير لغتهم استخدموها لظروف سياسية أو اقتصادية محددة، ونقصد بالفئة الثانية العرب الأنباط والتدمريين وأهل مملكة الحضر في العراق وأمثالهم.‏
ومن العرب سلالات بائدة من عصور ما قبل الكتابة لا نعرف أو نكاد لا نعرف عنها إلا أقل القليل. وكان هناك في الجزيرة العربية مجتمعات تعتمد على الصيد والالتقاط. ولكن مع استفحال الجفاف والتصحر نشأ فيها نوعان موازيان بديلان من النشاط هما الزراعة والرعي. الأول ازدهر في المناطق التي تشملها الأمطار الموسيقية كاليمن والثاني في واحات البوادي على أطراف الصحاري في نجد والحجاز وهو يقوم على الانتجاع والنشاط القافلي اللذين أديا للانسياج التدريجي إلى الهلال الخصيب، ودخول أعداداً كبيرة من القبائل والجماعات العربية منذ الألف الرابع قبل الميلاد ليس في النشاطات الاقتصادية فحسب، بل في التحركات السياسية والكيانات الجديدة في الشام والرافدين.‏
إن التجمعات الرعوية والزراعية أو بالأحرى الزراعية - الرعوية لم تكن، في حدود ما نعرف حتى الآن، قد وصلت إلى مرحلة الكتاب. ولكنها تركت في أطراف الجزيرة على الصخور والجروف رسوماً ووسوماً، لا تعرف تاريخها، هي بمثابة شبه كتابه إذ أنها لا تجسد أو تجم منطوق لفظ معين وه يرموز تدرك معناها جماعات محدودة. ولا علاقة لها بالكتابة في مفهومها الصحيح.‏
ونود أيضاً في هذا التمهيد أن نشير إلى أننا آثرنا أكثر الأحيان استعمال كلمة "كتابة" بدلاً من كلمة "خط" التي يكثر استخدامها في المؤلفات بمعنى الكتابة. لأننا نعتقد أن الكتابة هي الأصل والخط هو الفرع. وكل كتابة لها خطوط مختلفة. فهناك الخط اليابس (أي خط النقش) والخط اللين ذو الطابع الشخصي، وتتبعه مخربشات ومحورات. وفي الكتابة العربية ومقتبساتها الواسعة الانتشار، عشرات من الخطوط لها مناسبات واستعمالات محددة، لسنا في صدد بحثها هنا فنحن نعالج نشأة الكتابة العربية تاركين تطور خطوط هذه الكتابة للعاملين في ذلك المجال.‏
وثمة ملاحظة أخيرة نود أن نسوقها في هذه المقدمة لنؤكد غرابتها، وهي مسألة تتردد في كتب التراث ولا يتردد في إيرادها بعضهم وهي نسبة الكتابة إلى آدم أو نوح وإلى إدريس وإسماعيل وإلى أسماء ما أنزل الله بها من سلطان(1) فالكتابة القديمة في اعتقادنا، ليست إبداع شخصٍ حقيقي أو أسطوري واحد، وفي زمن واحد، فهي في كل الأحوال عمل متدرج متصاعد متطور خلال أجيال. وحتى إذا صاغها أحد في شكلها النهائي، أو طور بعض حروفها أو نقلها إلى بلاد أخرى فهي تبقى جهداً مشتركاً(2).‏
أقدم الكتابات العربية:‏
في حدود ما نعلم وبالأحرى في حدود المكتشف حتى الآن أثرياً في موطن العرب، يمكن للباحث أن يقرر بثقة أن اللغة العربية الصريحة الفصحى كتبت أول الأمر في اليمن وما حوله، وبخط ذي حروف عمودية يعرف باسم (المسند) ولكن ما عرفناه من هذا المسند كان ناضجاً ومتطوراً ومتخذاً شكلاً نهائياً أو شبه نهائي. وإذا كان المرجح أنه كان على تلك الحال في نهايات الألف الثاني قبل الميلاد أو بعدها(3)، فإننا نجهل التطور البدائي المحتمل لهذا الخط، أو بشكل آخر لا يعرف تدرج نضوجه، غرفناه بالشكل النقشي على الحجر، ولم نعرف شيئاً من شكله الليّن النادر إلا منذ وقت قريب(4).‏
ومهما كان من شأن تاريخ المسند فإننا لا بد أن نقدم خلاصة عنه وعن مختلف أشكاله وتفرعاته ومقتبساته تيسيراً للمقارنة وتسهيلاً للقارئ والناقد.‏
المسند أو الكتابة العربية الجنوبية (الجدول رقم1)‏
بكرت اليمن في أسباب التحضر، بسبب مناخها وموقعها، فنهضت فيها مدائن زاهرة منذ الألف الثاني قبل الميلاد على الأقل. وتعاقبت فيها حضارة مميزة في دولة معين، ومملكة قتبان، ومملكة حضرموت، والدولة السبئية، ومن ثم الدولة السبئية الحميرية، التي أينعت قبيل الإسلام، ولقد أبدعت حضارة اليمن، كما ذكرنا من قبل، منذ نهايات الألف الثاني قبل الميلاد على المرجح(5)، الكتابة المعروفة بالمسند التي كانت في وقت ما منتشرة في الجزيرة العربية كلها وخارجها(6). ولم تذكر المصادر العربية القديمة التي بين أيدينا الكثير عن هذا المسند مع الأسف.‏
ويعتقد أن هذه الكتابة سميت باسم المسند نظراً لاستقامة حروفها، فكأن هذه الحروف مستندة إلى دعائم. وثمة من ينسب أصل المسند إلى الكتابة السينائية وإلى الكنعانية (7) هناك فعلاً حروف متشابهة في الكتابتين:‏
من الواضح أن التشابه لا ينكر بين هذه الحروف والتطابق مؤكد في أربعة منها وما عدا ذلك ليس فيه أي تشابه. وثمة اختلاف بين الكتابتين في عدد الحروف. هناك اثنان وعشرون من جهة وتسعة وعشرون من الجهة الثانية. وفي كل الأحوال لا شك في أنهما مشتقان من أصل واحد وكلاهما تمتان بصلة إلى الكتابة السينائية(8) وقد تطور كل منهما في بيئته الخاصة وتغيرت بعض حروفه.‏
تكتب حروف المسند منفصلة لا اتصال بينها، والحروف ساكنة أو نصف متحركة كالواو والياء ولا تعرف كتابة المسند النقط أو الشكل أو المدّ أو التشديد، ويكون التشديد أحياناً بكتابة الحرف مرتين. وتفصل الكلمات في النصوص بخطوط عمودية. وصورة الحرف ثابتة لا تتغير أينما وقع هذا الحرف، في أول الكلمة و وسطها أو آخرها. ويكتب المسند عادة من اليمين إلى اليسار أو بالعكس. كما يمكن كتابة المسند بالشكل الذي يُعرف بفلاحة الثور، من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين وهكذا.‏
وفي مثل هذه الحال يلائم شكل بعض الحروف أن تبقى دون تغير في الاتجاه كالتاء مثلاً‏
والحاء . لكن بعضها الآخر يغير اتجاهه باتجاه الكتابة كالجيم والراء والترتيب الأبجدي للمسند هو هـ ، ل، ح، م،ق، و، ث، ر، ب، ت، الخ(9).‏
ولا تعرف أسماء الحروف. وليس فيه تاء مربوطة. ويتحد حرف النون الساكن مع الحرف الذي يليه ويسقط، كأن يقول الإنسان عقاّء بدلاً من عنقاء. وفي المسند حرف بين السين والزاي(10) لا مقابل له في أبجدية عرب الشمال ويرسم هكذا .والاختلاف واضح بين المسند وبين الكتابة العربية الشمالية المتطورة عن الكنعانية الآرامية، رغم أن اللغة واحدة بشكل عام(11),.‏
ويرّقم في المسند بخطوط واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة (1-11-111-1111) ويعبر عن الخمسة بالخاء أول حروفها وتكون الستة وهكذا حتى العشرة وأول حروفها عين والعشرون والثلاثون والمائة والألف وكانوا يذكرون العدد لفظاً ثم يرسمونه رسماً وذلك خوفاً من الخطأ، ويحصرونه بين شكلين مستطيلين أما كسر العدد فلا نعرف كيف كان يمثل(12).‏
وكل نصوص المسند تقريباً منقوشة على الحجر وعلى صفحائح البرونز، وقد نشر معظم المعروف قديماً منه في مؤلف جامع الكتابات السامية" الذي يرمز له (CIS)(13) وفي مجال الفهرسة تمت جهود مشتركة لوضع معجم للسبئية(14) وأكثر النصوص نصوص اهداء وكذلك نصوص تذكارية للملوك يعددون فيها مآثرهم.‏
كانت حروف المسند في المراحل القديمة تميل للاستدارة لكنها في المرحلة الأحدث أصبحت أكثر حدة في انكساراتها. وفي الخط السند استقامة وتناظر وبعض نصوص المسند بالغة الجمال (الشكل4).‏
ويذكر العالم اليمني يوسف محمد عبد الله على هامش اكتشاف كتابات يمنية قديمة منقوشة على الخشب، وبخاصة على جريد النخل: "كان للخط العربي الجنوبي ضربان من الخط أحدهما هو المسند وهو خط تذكاري يكتب به على الحجارة جلائل الأعمال ونذور المعابد، والزبور وهو خط سريع، تحريره فيه خفة، وتكتب به المراسلات والمعاملات على عيدان الخشب وما شابه ذلك(15).‏
وبالخط المسند المحرّف بعض الشيء أحياناً نقشت الكتابات الثمودية(16) والديدانية(17) واللحانية (18) والصفائية(19) (راجع جدول المقارنة) وقد نقشت هذه الكتابات في شمال الحجاز وجنوب بلاد الشام من قبل عرب جنوبيين هاجروا شمالاً لأسباب متعددة، لا مجال لتعدادها في هذا السياق.‏
وفي بعض حروف هذه الكتابات كما ذكرنا، فروق لدى المقارنة مع حروف المسند، وقد يرجع ذلك لتطور الزمن، أو لتصرف الكتّاب والنقاشين أنفسهم. وهي في كثرتها الساحقة تشكو من صعوبة القراءة ومن كون تفسيرها يظل تقريباً في أحيان كثيرة.‏
إن الخط الثمودي مثلا هو كالمسند خال من الشكل والتشديد والمد وغير ذلك من إشارات الضبط اللفظي. لكن بعض الكتابات الثمودية استخدم فيها أحياناً بعض حروف العلة تعويضاً عن الحركات. ولم تستخدم في الكتابة الثمودية أعمدة الفصل بين الكلمات. وفي بعض الحالات النادرة نجد بعض النقاط بين الكلمات أو بعض الخطوط القصيرة. والكتابة الثمودية كالمسند ليس فيها اتجاه محدد لبدء السطور فيمكن أن تبدأ في أي اتجاه. وتكون أحياناً مشتبكة بحيث تشكل صعوبة في قراءتها وفهمها(20).‏
والخط اللحياني المسمى عادة القلم اللحياني، هو أيضاً خال من الشكل والتشديد والمد وغيرها الأمر الذي يشكل صعوبة بالغة في القراءة تصل أحياناً إلى عدم التمييز بين الاسم والفعل، ونجد في الكتابات اللحيانية إهمالاً لاستعمال الفواصل بين الكلمات أيضاً. وتكون السطور على شكل قوس أو دائرة أو أشعة.‏
ومن ناحية كتابة عرب الصفا نجد أنها أخذت تبتعد عن المسند. وأصبحت أشكالاً الحروف الأبجدية الثماني والعشرين مضطربة. وللحرف الواحد عدة أشكال أحياناً (راجع الجدول 1) والكتابة الصفائية، التي تعود نصوصها إلى فترة تمتد من القرن الأول قبل الميلاد إلى الرابع بعد الميلاد، هي كالمسند، من حيث عدم استعمال الشكل والمد والتشديد. وفيها فضلاً عن ذلك اضطراب في ترتيب الاسم والفعل والمفعول به. وليس لها ترتيب معين في الابتداء. فالحروف هي جملة رسوم مجتمعة مع بعضها. وأكثر النصوص الصفائية خربشات قصيرة على الحجر للذكرى أو للدعاء وللشكر وللتشبيب.‏
تنتشر كتابات الصفا من تدمر حتى السعودية وبعض متفرقات منها في صالحية الفرات وبادية الشام وحتى جبال لبنان والمعروف منها حتى الآن هو بحدود عشرين ألفا(21) ومجموعة اكتشفها الباحث السوري غازي علولو في وادي السوع تبلغ أكثر من أربعمائة (22) يضاف لذلك أعداد جديدة اكتشفتها الباحثة السورية السيدة منى المؤذن مع الاستاذ م .ك. آ ماكدونالد (23) الذي يقول في مقاله المذكور، في الحاشية رقم 31، إن نسبة هذه الكتابة للصفا موضع جدل فالكثرة الساحقة من هذه الكتابات وجدت في الحرّة إلى الشرق من جبل العرب. وكاتبوها هم من البداة من عشائر العوذ والسعد وغيرهم. وليس من هذه الكتابات في المناطق الحضرية إلا أقل القليل. قد يكون بين نقاشي هذه الكتابات بعض الحضريين ولكن تلك حالة استثنائية. تلك هي خلاصة رأي السيد ماكدونالد وفيه من الصحة قدر كبير. وقد يكون من المناسب اتفاق الاختصاصيين العرب وغير العرب على تسمية جديدة لكتابات الصفا، وقد لا يجدي ذلك نفقاً إذ أن هذه التسمية انتشرت في المؤلفات والبحوث والمعاجم والمتاحف وتردد منذ حوالي قرن ونصف (24) وقد يربك مصطلح جديد الباحثين والدارسين.‏
من الكتابة الكنعانية إلى الآرامية:‏
للوصول إلى مصادر الكتابة النبطية وأخواتها التدمرية والحضرية (نسبة لمدينة الحضر) والسريانية، لا بد من متابعة مسيرة الأبجدية في نشأتها الأولى على شواطئ بلاد الشام. توقفت الأبجدية المسمارية الأوغاريتية عن الانتشار بعد سقوط دولة أوغاريت الكنعانية في مطالع القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وبعد ذلك بدأ بالانتشار الشكل الخطي المتمثل بخاصة في أبجدية جبيل الكنعانية حيث تبلورت هناك في ذلك التاريخ (أي القرن الثاني عشر قبل الميلاد)(25)، الأبجدية الكنعانية الجبيلية التي جرت العادة على تسميتها الفينيقية(26). ومهما اختلف الباحثون في مكان نشأتها وزمانها فإن الإجماع قائم على أنها الأبجدية الأم لمعظم الكتابات من الشرق والغرب. والكتابة الآرامية هي في حدود علمنا، ابنتها البكر التي شكلت جناحها الشرقي الذي امتد حتى الهند. ومن أقدم النماذج المبكرة للخط الآرامي النص المنقوش على تمثال الملك "حد يسعي" المكتشف في موقع تل الفخيرية قرب رأس العين في الجزيرة السورية وهو يعود للقرن التاسع قبل الميلاد (27) وقد أضيف للنصوص الشهيرة المعروفة سابقاً: نص بر حدد، وذاكير ملك حماه، وبرركاب ملك شمال (زنجرلي) ونصوص معاهدة السفيرة الذي عربناه عن الفرنسية في مجلة الحوليات العربية السورية(28).‏
وظلت الكتابة الآرامية تحتفظ بالشكل الكنعاني القديم الذي تتفاوت أشكاله حروفه استدارة وارتفاعاً وتناسقاً (جدول رقم 3) إلى أن وصلت في حدود القرن الخامس قبل الميلاد إلى شكل منمق جميل يعرف بالخط الآرامي المربع، الذي كتبت به العبرية ومن ثم النبطية وبعدها التدمرية وكتابات مدينة الحضر(29)، والسريانية مع خطوطها المتعددة، وكذلك الخط الفهلوي الذي أصبح الخط الرسمي للدولة الساسانية من القرن الثالث الميلادي حتى العصر الأموي وظلت آثاره باقية على النقود في العصر العباسي الأول. وغدا الخط الآرامي المربع هو الشكل المتمثل في الكتابات الحجرية والصلبة (والرسمية إجمالاً) ونشت معه أشكال سريعة مبسطة كالخط اللين (Cvrsive) وهو المشق(30).‏
ومن أشهر الخطوط الآرامية الخط الاسطرنجيلي (الجدول رقم 3) أقدم الخطوط السريانية وأصلها جميعاً، وقد ظهر هذا الخط في الرها أهم مدائن السريان بل عاصمة السريان الروحية الأولى. وأصل الرها يغلب عليهم الجنس العربي وملوكهم عرب وحالهم كحال أهل مدينة الحضر وتدمر حين استعملوا الآرامية في كتاباتهم.‏
ويذكرنا هذا الخط بالخط العربي الكوفي الذي يرى عدد كبير من الباحثين أنه من أصل سرياني وسنعود لهذا الموضوع في حينه. ولما كان عدد آخر من الباحثين يرى أن الخط العربي مشتق من الخط النبطي، ولما كان الأنباط عرباً لا شك في أصلهم هذا(31)، ولما كانوا من المستخدمين للخط الآرامي وللغة الآرامية في نقوشهم، نجد من المفيد بل من الضروري التطرق إلى كتابتهم في مثل هذا البحث.‏
الكتابة النبطية (الجدول رقم 3)‏
إن الكتابة النبطية هي أقدم الكتابات العربية الشمالية، وقد يرجع تاريخها إلى القرن الخامس من قبل الميلاد (32) والكتابة النبطية كما ذكرنا منذ قليل هي كتابة آرامية تسجل لغة أرامية ولكنها سجلت كذلك كتابة بلغة عربية منذ القرن الأول الميلادي، اكتشفت في النقب منذ وقت غير بعيد عرفت باسم نقش عبادة (32) كما كتب بها، وبلغة عربية أيضاً، النقش الشهير من عام 328 م المعروف باسم نقش أمرئ. القيس ملك العرب، المكتشف في موقع النمارة شرق جبل العرب، والمحفوظ في متحف اللوفر ونقوش أخرى سنوردها في مكان آخر. ولعل آرامية الأنباط قد تأثرت بالآرامية في واحة تيماء وأتت عن طريق العلاقات التجارية. وقد حوّر الأنباط الخط الآرامي فاصبح مع الزمن أكثر ربطاً للحروف من قبل. وقد انغلقت فيه بعض الحروف تماماً كالألف والهاء آخر الكلمة والميم والسين وتكتب النبطية من اليمين إلى الشمال شأنها شأن جميع الكتابات الآرامية.‏
نشأة الكتابة العربية الشمالية:‏
إن نشأة كتابتنا العربية التي نستعملها حتى اليوم والتي تنقل لسانا عربياً شمالياً صريحاً تضعنا أمام تساؤلات:‏
1-ما هي علاقة هذه الكتابة العربية الشمالية بالمسند وبالخط النبطي والسرياني في نوعية (السطرنجيلي والسرطو).‏
2-متى كان بزوغ الكتابة العربية الشمالية؟‏
3-هل شعت تلك الكتابة من مكان واحد أو من أماكن شتى؟‏
4-هل كان استعمال بعض الكتابات العربية القديمة لمرة واحدة أو لمرات قليلة؟‏
5-أهناك كتابة عربية شمالية واحدة أم كتابات؟‏
إن النصوص العربية الشمالية التي وصلتنا هي من القلة بحيث لا تساعد على إعطاء أجوبة شافية ومباشرة على هذه التساؤلات أو تؤدي الإنارة الأسئلة التي طرحناها. فلا بد من أن نضع منطلقات تقودنا مستقبلاً في مسالك أقل وعورة من المسالك التي طرقها، وما زال يطرقها، دارسو تلك المسألة.‏
لا يتفق العلماء على رأي واحد حول أصل الكتابة العربية. ثمة مدارس ثلاث تجتهد في هذا الموضوع، الأولى مدرسة الإخباريين وقدامي الكتاب التي تقول بأن أول كتابة عربية عرفت في مدينة الحيرة في العراق وإن أهل مدينة الحيرة تعلموا الكتابة من أهل الأنبار. ومن القائلين بذلك ابن النديم في كتاب الفهرست (34) وابو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني (35) وبعضهم رأى أن الكتابة العربية أتت من اليمن. وقد قال بذلك ابن خلدون في مقدمته (36) وابن النديم في الفهرست‏
(37) وغيرهم.‏
ويمكن أن نستنتج من ذلك كله أن الخط العربي انتقل أولاً بشكله المسند (القلم الحميري) إلى الأنبار، وأن أحد الرجال جزم الخط المعقد فاختزله وشذبه وأبدع منه الخط العربي. والمفهوم من الروايات أن ذلك الأمر حدث حوالي القرن السادس الميلادي. وأن الاعتقاد بأن ورود الكتابة العربية الشمالية من اليمن يقول بمثله تقريباً باحثون عرب حديثاً(38).‏
أما المدرسة الثانية فهي في الواقع المدرسة الحديثة التي تعتمد على دراسة موضوعية للخطوط ومقارنتها، أي على علم النقائش (الابيغرافيا) وعلم المخطوطات القديمة (الباليوغرافيا) تقول هذه المدرسة إن الحروف العربية استقت من الحروف الآرامية المتطورة وبخاصة من الكتابة اللينة بالذات. ويتفرع القائلون بهذا الرأي إلى منحيين الأول نحو الخط السرياني بأنواعه والثاني نحو الخط النبطي. ونحن نرى أن لكل منهما بعض الحق، فالكتابة العربية الشمالية تمت في وسط حجازي - شامي حضري بينما الوسط الصحراوي المجاور، التمودي واللحياني والصفائي، قد تأثر بالكتابة العربية الجنوبية في اليمن (المعينية- السبئية الحميرية التي تعرف بالخط أو القلم المسند).‏
وفي اعتقادنا أن البحث عن أصول الكتابة العربية الشمالية في المسند هو مركب صعب وطرح لا تستقيم معه الأمور ولا يوصلنا إلى مبتغانا لأسباب عدة منها:‏
1-اختلاف شكل معظم الحروف بينهما اختلافاً صارخاً وإذا صادف تطابق بعض الحروف كما ذكرنا من قبل وأوضحنا فإن مرد ذلك في اعتقادنا إلى منابع قديمة مشتركة مظانها في سيناء.‏
2-عدم اتصال حروف كتابة المسند ببعضها أبداً حتى في حالة الكتابة اللينة (المشق) 39‏
3-اختلاف الشكل العام للحروف وللكلمة والجملة للسطر‏
4-إن المسند عندما تطور أعطى كتابات عربية جنوبية أخرى معروفة لدى الثموديين والصفائيين واللحيانين. والشبه بين كتابات المسند هذه لا يشك فيه أحد (جدول رقم 1)‏
5-وبالمقابل نجد التشابه واضحاً بين الكتابة العربية الشمالية من كوفية ونسخية مع الآرامية ومولداتها كالنبطية والسريانية والكتابات اللينة التدمرية والحضرية (جدول رقم 2) إن الذين يؤكدون على اشتقاق الكتابة العربية الكوفية من النبطية محقون في قولهم إن نقوشاً نبطية حملت لغة أرامية ولكن مع تطور الزمن أخذت النبطية تحمل لغة عربية صرفة ففي نقش النمارة (الشكل 8) من الآرامية كلمة بر (بدلاً من بن) فقط، ومع مرور الزمن صارت الكتابة النبطية تتطور شكلاً ولا تكتب إلا العربية في حدود القرن السادس الميلادي قبيل ظهور الإسلام. ولكن الذين ينسبون الكتابة العربية إلى الكتابة الآرامية - السريانية هم على حق كذلك حين يقولون إن كتابة خربة زبد (بين قنسرين والفرات) من عام 511م حروفها قرب ما تكون من السريانية. وفي جميع الأحوال إن كلاً من الكتابتين النبطية والسريانية تنبعان من الكتابة الآرامية المربعة التي اختلفت تفرعاتها بتأثيرات محلية هنا أو هناك.‏
ونحن نود أن ندلي دلونا في الدلاء ونطرح وجهة نظر قد تصلح للنقاش:‏
إن الأمر اللافت للنظر، بل المحير، أنه باستثناء كتابة زبد، فإن سبعاً من الكتابات العربية الثماني المعروفة التي تعود لما قبل الإسلام وتتضمن نصاً عربياً أو جاءت بكتابة عربية ولغة عربية، قد وجدت في القسم الجنوبي الغربي من بلاد الشام وفي منطقة الأنباط حصراً وهي:‏
1-كتابة عبادة في النقب، نبطية تحمل نصاً عربياً، القرن الأول الميلادي (الشكل 6)‏
2-كتاب أم الجمال الأولى شمال شرق الأردن، نبطية تحمل نصاً عربياً، القرن الثالث الميلادي، (الشكل 7).‏
3-كتابة النمارة شرقي جبل العرب، نبطية تحمل نصاً عربياً، مطلع القرن الرابع الميلادي (328م) (الشكل8).‏
4-كتابة معبد رم شرقي العقبة. مرحلة انتقالية بين النبطية والعربية، القرن الرابع الميلادي.‏
5-كتابة أم الجمال الثانية، مرحلة بين النبطية والعربية، مطلع الخامس الميلادي (الشكل 11)‏
6-كتابة جبل أُسيس جنوب شرق دمشق، عربية كتابةً ولغةً، أواخر القرن السادس الميلادي (الشكل 13).‏
7-كتابة حران من اللجاة شمال جبل العرب، عربية كتابةً ولغةً، أواخر السادس الميلادي (الشكل 14).‏
ولكن كتابة خربة زبد في شمال بلاد الشام بين حلب والفرات المؤرخة (في النص اليوناني) في مطلع القرن السادس الميلادي (512م) (الشكل 12) مغايرة لتلك الكتابات ذات الأصول النبطية، وهي بشكل عام الأقرب شكلاً من الكتابة السريانية والكوفية وكتابات النقود الإسلامية الأولى، الأمر الذي يجعلنا نفترض أنه كان في بدايات الكتابة العربية وسطان، نبطي في جنوب سورية وسرياني في شمالها مؤثران في ولادة الكتابة العربية وكل منهما يعمل ويتطور مستقلاً عن الآخر فالعرب كانوا يملاؤن المنطقة الشامية والرافدين ويوطدون ثقافتهم الذاتية في أرجاء الهلال الخصيب ويكتبون عربيتهم بكتابتهم الخاصة بعد أن استخدموا في مراكزهم الحضرية في البتراء وتدمر والحضر والرها وغيرها، الآرامية لغة وكتابة.‏
فإذا استبعدنا مقولة جزم (أي قطع) الخط المسند العربي الجنوبي ليصبح خطاً عربياً شمالياً. تلك المقولة التي لا تصمد للدراسة الباليوغرافية (أي شكل الحروف وتطورها) رغم تأييدها من قبل بعض الباحثين المحدثين (40)، وأخذنا بالنظرية النبطية وحدها، على أهميتها العلمية ومتانة أسسها، لا نجد فيها حلاً لكتابة زبد وللكتابات الكوفية بشكل عام، التي لا تناسب حروفها الشكل النبطي أبداً، إلا في حدود قليلة، إذ نقع في إشكالية أن الحروف النبطية منفصلة في معظمها كما أن حروفها ترتفع عن السطر أو تنخفض عنه. ومن الخطأ، كما ذكرنا من قبل، في المقارنات الكتابية، مقارنة حرف بحرف فقد يتماثلان أو كلمة بكلمة فقد تتشابهان ولا بد لتأكيد الصلة من مقارنة سطر بسطر وهذه المقارنة حاسمة في تحديد القرابة (48) وإذا قارنا كتابة عربية قبل الإسلام مثل كتابة زبد (الشكل 12) أو نصاً مبكراً بالخط الكوفي من كربلاء (الشكل 15) وفي معبد بل بتدمر (الشكل 17) والكتابات الأموية (الشكل 16-17) إجمالاً، وعلى النقود، نجد من حيث الشكل العام والأسلوب تشابهاً قوياً بينها وبين الخطوط السريانية الشطرنجيلي والسرطو والنسطوري، حتى أنه قد يظن للوهلة الأولى أن النص السرياني هو عربي وبالعكس بينما المقارنة مع الخط النبطي تظهر الاختلاف واضحاً ولكن لا ننكر وجود تشابه في بعض التفاصيل بين الاثنين (راجع الشكل 9‏
آ و ب)‏
وقد يساعد هذا الاستنتاج على توكيد أمر تطور الخط السرياني إلى الخط العربي ووصوله عن طريق الأنبار فالحيرة، طبقاً للمصادر العربية الإسلامية، إلى الشام والحجاز وتأثيره على الكتابة النبطية ذاتها كما هو ملاحظ في نقش حران (الشكل 14).‏
وتلخيصاً لما تقدم نقول في فرضيتنا إن العرب بعد كتابتهم بالخط المسند استعملوا خطاً عربياً شمالياً متأثراً بالخط النبطي وذلك بين الحجاز والشام وتركوا هناك في القرون الخمسة الأولى للميلاد نصوصاً وصلنا بعضها من مواقع شتى أتينا على ذكرها ثم طغى على هذا الخط خط آخر وصل للشام والحجاز عن طريق الأنبار فالحيرة، وفق المصادر العربية الإسلامية خط متأثر بقوة بالخطوط السريانية والآرامية اللينة عرف فيما بعد بالخط الكوفي. وصاحَبَهُ بعد قليل خط آخر يعرف بالنسخي لعله في رأي بعضهم امتداد للخط النبطي. والأمر يحتاج إلى مزيد من التمحيص. نشأ عن الأول والثاني أصناف وتلاوين الكتابات العربية الإسلامية الرسمية المعروفة والفروق بينها كثيرة وأبرز ما فيها الفروق الجغرافية من شرقية، ومغربية وفارسية وتركية واتخذت مهمة زخرفية مبدعة.‏
وأننا لنعتقد أن رواية البلاذري عن نشأة الكتابة العربية تنطبق إلى حد كبير على الاستنتاجات التي توصلنا إليها، كما توصل إليها غيرنا في هذا المجال، بالدراسة الباليوغرافية والتاريخية. والفارق الوحيد هوأن (أمر الخط) لديه هو أمر أناس منفردين أو متفردين ينقلون وينتقلون ويتعلمون ويعلمون أن القضية أوسع من ذلك وأبطأ، وتأخذ مراحل تدرج وتطور أطول زمناً.‏
بعد الأسانيد قال البلاذري: "اجتمع ثلاثة نفر من طيء ببقة (موقع قريب من الحيرة أوْ مِنْ هِيت في العراق) ويذكر أسماءهم "فوضعوا الخط، وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلمه منهم قوم من أهل الأنبار (قرب الفرات الأوسط غير بعيد عن بابل) ثم تعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار. وكان بشر بن عبد الملك.. صاحب دومة الجندل (حصن بين الشام والمدينة جنوبي بادية الشام) يأتي الحيرة فيقيم بها الحين. فتعلم بشر الخط العربي من أهل الحيرة، ثم أتى مكة في بعض شأنه فرآه سفيان بن أمية بن عبد شمس وأبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكتب، فسألاه أن يعلمهما الخط فعلمهما الهجاء ثم أراهما الخط فكتبا، ثم إن بشراً وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تجارة فصحبهم غيلان بن سلمة الثقفي فتعلم الخط منهم، وفارقهم بشر ومضى إلى ديار مضر. فتعلم الخط منه عمرو بن زرارة بن عدس فسمي عمرو الكاتب. ثم أتى بشر الشام فتعلم الخط منه ناس هناك، وتعلم الخط من الثلاثة الطائيين أيضاً رجل من طابخة كلب فعلمه رجلاً من أهل وادي القرى، فأتى الوادي يتردد فأقام بها وعلم الخط قوماً من أهلها(42) ويذكر البلاذري بالاسانيد: "ودخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً كلهم يكتب"(43). ثم يذكر أسماء الرجال السبعة‏
مراحل الكتابة العربية:‏
1-النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد:‏
كنعانيون يعملون في سيناء متأثرين بالكتابة المصرية يبدعون كتابة شبه أبجدية تتطور فيما بعد إلى أبجدية جبيل، وبعض حروفها إلى حد ما بعض حروف كتابة المسند العربية الجنوبية، الأمر الذي يرجح أن يكون الأصل المشترك بينهما من كتابة سيناء.‏
2-النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد:‏
في القرن الرابع عشر (أو الثالث عشر قبل الميلاد في بعض النظريات) يبدع الكنعانيون في أوغاريت أبجدية من 29 حرفاً تتسلسل في أحد الرُقم المكتشفة حديثاً في أوغاريت وفق تسلسل المسند وفيها - كالعربية- حرف الضاد. كما يوجد الكنعانيون في جبيل في حدود القرن الثاني عشر قبل الميلاد أبجدية من 22 حرفاً (أبجد هوز حطي- كلمن- سعفص- قرشت) (راجع النص في الشكل 1).‏
3-النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد:‏
تستخدم أبجدية جبيل لكتابة الآرامية في حدود القرن التاسع قبل الميلاد وتترك عدداً من النصوص التاريخية الشهيرة (الشكل 2) ويبلغ الخط المسند أوج جماله واتقانه.‏
4-النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد:‏
تتطور الكتابة الآرامية إلى الخط الآرامي المربع الذي استخدم بالتدريج في الكتابات النبطية، والتدمرية وكتابات مدينة الحضر (الشكل 10) والسريانية في الرها والسريانية الغربية والمندعية.‏
5-أواخر الألف الأول قبل الميلاد والنصف الأول من القرن الأول الميلادي:‏
تنتشر الخطوط المشتقة من المسند تدريجياً من اليمن للحجاز إلى بلاد الشام. وتصبح فيها خطوط ثمودية وصفائية ولحيانية وديدانية (الأول 1) وفي نسق مواز تنشأ. الكتابة العربية الشمالية من السريانية وينشأ عنها الخط الكوفي، وبعد ذلك النسخي الذي يبدو وكأنه تأثر بالنبطية. وفي بحر القرن السادس الميلادي تتطور هذه الكتابة العربية. وتنتشر مع الفتح العربي الإسلامي في نصف الكرة الأرضية.‏
الهوامش‏

(1)من الطرائف في هذا الصدد ما ذكره القلقشندي (في صبح الأعشى الجزء 3 الصفحة 9) إذ يقول إن ستة أشخاص من قبيلة طسم من العرب البائدة، أسماؤهم: أبجد، هوز، حطي، كلمن سعفص، قرشت، هم الذين وضعوا الكتابة العربية ورتبوا الأبجدية على ترتيب حروف أسمائهم. ثم ألحقوا بها ثخذ، ضظغ غير الموجودة في أسمائهم وسموها الروادف. ولا حاجة بنا إلى الوقوف طويلاً عند مثل هذه الروايات فترتيب الأبجدية المذكورة موجودة في أوغاريت من القرن الرابع عشر قبل الميلاد وجبيل من القرن الثاني عشر قبل الميلاد وقد ورثته الكتابة العربية عن الكتابة الآرامية التي أخذته بدورها عن الكنعانية. هذا وإن أقدم الكتابات العربية المعروفة هو المسند وترتيب حروفه مختلف عن ترتيب أبجد هوز.‏
(2)إن كيريلليس عندما وضع للروس حروف أبجديتهم لم يزد على أن طبق الكتابة اليونانية على اللغة الروسية مضيفاً لها بعض الحروف الخاصة باللفظ الروسي مما هو غير موجود في اليونانية. واليونانية أصلها من الكنعانية - الفنيقية تطورت كثيراً وخلال زمن طويل ومن قبل جماعات ورجال مجهولين.‏
(3)يذكر بيتسون في كتابه عن قواعد النقوش العربية الجنوبية الذي عربه الدكتور رفعت هزيم، اربد، 1995 ص6 أن أكبر مجموعة كبرى من النقوش السبئية تعود للقرن السادس ق.م. أو إلى زمن أسبق منه قليلاً وأحدثها إلى عام 570م وهو تاريخ ميلاد النبي محمد (ص) ولا يعين ذلك عدم وجود كتابات أقدم فإن تقديرات العلماء تتراوح بين 500 إلى 1600 ق.م دون مؤيد.‏
4-وجدت هذه الكتابات بالخط المسند اللين على عُصيّات من الخشب نشرها ريكمانس وموللر ويوسف محمد عبد الله في المرجع التالي (نصوص يمنية قديمة منقوشة على الخشب، لوفان 1994) (راجع قائمة المراجع الأجنبية في آخر المقال)‏
(5)يقول كريستيان روبين في مؤلف "معرض ولادة الكتاب" بالفرنسية باريس 1982 ص187-188 دون مؤيد أن أقدم الوثائق في كتابات الجزيرة العربية لا تبدو أقدم من القرنين 6 أو 5ق.م (المرجع في آخر المقال)‏
(6)نجد تشابها بين المسند وبين أقدم الكتابات الحبشية ومنها كتابات باللغة الحبشية الجعزية استعملت مع المسند الذي يتألف من الحروف الساكنة نوعاً من الحركات تقوم على تعديلات في الحروف لتلفظ بالشكل المطلوب (د. أحمد هبو، الأبجدية نشأة الكتابة وأشكالها عند الشعوب اللاذقية 1984- ص92/93) وهناك أيضاً تشابه بين المسند وبعض الكتابات الافريقية كالنوبية وحتى بينه وبين الكتابة الهندية كما نُقل لنا وكتابات محتملة في مناطق أبعد. ولا نستطيع الآن معرفة السبب فالأمر يحتاج إلى مزيد من الاستقصاء.‏
7-يقول كريستيان روبين الاختصاصي في العربية الجنوبية "لقد لوحظ تقارب محير بين الكتابة العربية الجنوبية والفنيقية في حوالي عشرة أحرف متماثلة ولكن الاختلافات أيضاً عديدة، الأمر الذي يحول بيننا وبين افتراض أن الكتابة العربية الجنوبية مشتقة من الفنيقية، فقصارنا أن يفترض أن كلا منهما تشكل بشكل مستقل ولكنهما معا اقتبسا بعض الحروف من كتابات كانت مستعملة في الشرق الأوسط (دليل معرض باريس، ولادة الكتابة، 1982، ص188)( راجع الحاشية رقم5).‏
(8)راجع أحمد هبو المذكور سابقاً ص92 وجان ستاركي وبيير بوردوي اختراع الأبجدية من "ملفات علم الآثار" رقم 12 (1975) ص99 (المرجع في آخر المقال)‏
(9)عن بيير بوردروى ودينيس باردي (أبجدية سامية جنوبية مكتشفة عام 1988 في أعمال التنقيب الفرنسية في رأس الشمرة - أوغاريت بالفرنسية (تقارير أكاديمية النقوش والآداب الفرنسية تموز - تشرين الأول 1995 ص855-860 (راجع القائمة الأجنبية مع هذا المقال)‏
(10)يرمز له بـ راجع بيستون تعريف رفعت هزيم المذكور سابقاً ص16‏
(11)نود أن نبدي هنا ملاحظة في موضوع اللغة، فالعرب تسمى حتى لهجات القبائل العربية لغات، والفيروز بادي في قاموس المحيط يقول في مادة اللغة: "استلغ العرب (أي) استمع إلى لغاتهم (الطبعة المصرية الثالثة 1933) وجاء في معجم أقرب الموارد في مادة اللغة: "الكلام المصطلح عليه بين كل قبيلة" (الشرتوني أقرب الموارد جزء 2، 1889) ويُسمّي النحاة الشواهد اللغوية الشاذة لغات.‏
(12)حول تفاصيل العدد الترتيبي والكسور والتكرار في كتابات المسند يراجع بيستون المذكور سابقاً تعريب -رفعت هزيم ص60 وما بعدها‏
(13)جامع الكتابات السامية، الجزء الرابع باريس 1889-1919.‏
(14)وأوفى وأحدث معجم من هذا القبيل (المعجم السبئي بالإنكليزية والفرنسية، لوفان وبيروت 1982 تأليف محمود الغول وومولروج، ريكمانس.‏
(15)يوسف محمد عبد الله، خط الزبور اليماني والنقوش الخشبية، الصفحة السابعة من القسم العربي من المؤلف المذكور في الحاشية رقم 4.‏
(16)ثمود شعب عربي قديم معروف منذ القرن الثامن ق.م في أحد نصوص سرجون الثاني الآشوري (715ق.م) وفي مؤلفات الجغرافيين اليونان والرومان وكذلك في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم.‏
(17)ديدان هي واحة العلا في شمال الحجاز على الخط الحديدي الحجازي، وعلى بعد 323 كم من المدينة المنورة.‏
(18)لحيان قبيلة عربية قديمة هي فرع من هذيل كانت تقطن قرب مكة عند ظهور الإسلام.‏
(19)الصفائية نسبة إلى صبة الصفا شرقي جبل العرب وقد فضلنا استعمال هذه التسمية بدلاً من الصفوية خوفاً من أن يظن أن النسبة للدولة الصفوية في فارس (وقد اتفق على هذه النسبة في ندوة جامعة اليرموك حول الكتابات في بلاد الشام حتى ظهور الإسلام عام 1994).‏
(20)إن أحدث وأوسع مرجع عن القبائل الثمودية هو التالي:‏
محمود محمد الروسان، القبائل الثمودية والصفوية دراسة مقارنة، جامعة الملك سعود، الرياض 1992.‏
(21)مجلة سيريا العدد 70 (1993) ص304-305‏
(22)غازي محمد علولو، دراسة نقوش صفوية جديدة من وادي السوع جنوب سورية (أطروحة ماجستير في جامعة اليرموك) 1996 ص9‏
(23)ميكائيل ماكدونالد ومنى المؤذن وليلى نعمة، الكتابات الصفائية بعد أربعين عاماً من اكتشافها: تقارير أكاديمية الخطوط والآداب بباريس، كانون الثاني - آذار 1996- ص435-494 (راجع القسم الأجنبي من الهوامش)‏
(24)المرجع في الحاشية السابقة‏
(25)جرت تقديرات مختلفة حول بداية أبجدية جبيل وهناك شبه إجماع على التاريخ المذكور ويقول بهذا القول على سبيل المثال الأب جان ستاركي وبيير بوردروى في مقال لهما عن اختراع الكتابة في مجلة "ملفات الآثار" العدد 12 أيلول 1975- ص98 إذ وضعا أبجدية جبيل في حدود 1200 ق.م (المرجع في القائمة الأجنبية)‏
(26)الفنيقيون (وتعني غالباً الحمر) تسمية يونانية للكنعانيين في ساحل بلاد الشام. ولكن ما يسمون بالفينيقين كانوا يعرفون أنهم كنعانيون وذلك ثابت من النقود ومن النصوص مما لا مجال للتوسع فيه في هذه الحاشية.‏
(27)على أبو عساف، الحوليات الأثرية العربية السورية، المجلد 32(1982) ص37-58 والكراس المشترك بالفرنسية مع بيير بوردروي وآلان ر. ميلارد بعنوان (تمثال تل الفخيرية وكتابته الآشورية الآرامية في دراسات اسيريولوجية، رقم 7 باريس، 1982 (راجع القائمة الأجنبية)‏
(28)الحوليات الأثرية العربية السورية العدد 10 (1960) القسم العربي ص231-252 (النص الفرنسي لاندره دوبون سومير (ص21 -54 مع الأشكال).‏
(29)هذه المدينة - المملكة العربية المعاصرة تقريباً لتدمر والواقعة بين الشام والرافدين في بادية الموصل لم تنل كتاباتها حتى الخمسينيات اهتماماً، حتى نشرها العالم العراقي المرحوم فؤاد سفر في مجلة "سومر" ومن ثم اندره كاكو في مجلة سيريا وأخيراً اهتم بها عالم السريانية باسيل عجولا في كتاب شامل بالفرنسية نشر في باريس 1991 (راجع القائمة الأجنبية)‏
(30)يقول يوسف محمد عبد الله في المرجع المذكور في الحاشية رقم 15 إنه كان للخط العربي الشمالي ضربان من الخط أحدهما هو الجزم وتكتب به الأمور الجليلة وبه كتبت المصاحف بعد ذلك، والمشق وهو خط فيه خفة وتكتب به الأمور العادية التي تقتضيها المعاملات والمراسلات بين الناس.‏
(31)لا أرانا بحاجة لتوكيد هذا الأمر الذي أصبح من المسلمات وفضلاً عن أن ديودور الصقلي وغيره من المؤرخين الكلاسيكين يؤكدون ذلك ويستعملون مرة نبطي ومرة عربي فإن لغة الأنباط وديانة الأنباط وأسماؤهم عربية ولو أنهم كغيرهم من العرب استخدموا الآرامية للكتابة. وعلينا أن نفرق بين الأنباط والنبيط الذين هم جماعة بشرية تركزت في جنوب العراق ومهنتها الزراعة والعرب يفرقون بين العرب والنبط (ويقول أحد الشعراء في المقامات: أنا حينا من النبيط وحينا من العرب).‏
(32)على كل حال هناك كتابات نبطية مؤكدة من القرن الثالث قبل الميلاد.‏
(33)وجد هذا النص في النقب عام 1979 وقدر زمنه بين 88 و125 للميلاد (راجع الشكل 6)‏
(34)راجع ابن النديم، الفهرست، ص4-5.‏
(35)أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، ج2-ص101.‏
(36)ابن خلدون، المقدمة، المطبعة الشرقية بمصر 1327هـ ص467.‏
(37)المصدر السابق في حاشية رقم 34.‏
(38)محمد محفل، في أصول الكتابة العربية، مجلة دراسات تاريخية، العدد 6 تشرين الأول، 1981 ص86-72 وما بعدها‏
(39)انظر الحاشية رقم 4 والشكل 5.‏
(40)أنظر الحاشية رقم 38.‏
(41)تقول الفرنسية فرانسواز بريكيل شاتونيه برأي صائب ينصب في المعنى الذي أوردناه، إن الكتابة تدرس كمجمل وكأسلوب لا كمجموعة من الحروف:‏
فرانسواز بركيل شاتونيه من الآرامية إلى العربية في مؤلف كتاب ومخطوطات في الشرق الأوسط باريس، 1997- ص137 (راجع القائمة الأجنبية)‏
(42)من كتاب فتوح البلدان للبلاذرى، اختيار وتعليق الدكتور شوقي أبو خليل، طبعة وزارة الثقافة، دمشق 1997- ص534-535 (الطبعة المصرية بالأزهر 1932 ص456-460‏
(43)المصدر نفسه.‏

زيدان محمد سيلان
19-02-2009, 02:50 AM
مساء الخير

ما شاء الله عليك أستاذ خالد

معلومات قيمة و مفيدة وملفتة للإنتباه ، ويجب متابعتها .

بارك الله بك