المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بقايا ذاكرة..


أبو منير
16-01-2008, 11:35 AM
بقايا ذاكرة..

أهديها إلى كلّ طفلٍ افترسَ
القصفُ منزلَه وأحلامه..

وحيدةً على مفرقِ الصّمتِ.. كنتُ..!
أحاولُ جمعَ أشلاءِ أحلامٍ مبعثرةٍ تشرّدتْ ملامحُها ذاتَ اضطراب..
بذهولٍ مفجعٍ لم يمنحني الفرصةَ حتى لتفقّدِ حواسيَ الجريحة ؛ بدأتُ شيئاً فشيئاً ألملمُ خيبتي بذاكرةٍ صارتِ الآنَ مهيضةً بعدَ أنْ دوى ذلكَ الصّوتُ الرّهيبُ فيها فلمْ يمنحها فرصةً للتّصدّعِ لأنّها انهارتْ للتو.
بدأتُ أصرخُ مرتبكةً فزعةً كعصفورٍ صغيرٍ فقد عشّه بمن فيه..
وباندفاعٍ مجنونٍ.. أخذتْ أصابعي الصّغيرةُ تنبشُ ركامَ منزلِنا.. أقصدُ.. ذاكرتِنا المشتركةِ.. لأعثرَ عليها...
نعم وجدتها.. لطالما شعرتُ بالأمانِ لمجرّدِ ملامستِها لرأسي أو إخفاءِ يدي الباردةِ فيها..
إنّها يد والدي، عرفتُها فقدتْ أحدَ أصابعِها حينَ كانَ يعملُ على آلةٍ للنّسيج في ذاكرته الأخرى.
لطالما قالتْ لنا أمّي أنَّ الأماكنَ بحدِّ ذاتها جزءٌ من الذّاكرة..!
كانتْ تحرّك القِدرَ على النّار وكلٌّ منّا يتدافعُ حولَها ليحصلَ على نصيبه أوّلاً..

حينَ باغتتني يد والدي مبتورةَ الإصبع.. كتمتُ غصّةً جريحةً في جوفي ولم أفكّر للحظةٍ بالبحثِ عنه.
ربما لأنّني عادةً عندما أكونُ فزعةً أدفنُ رأسي في صدرِ أمّي كقطّةٍ أليفةٍ لا تعرفُ أبعدَ من فناءِ الدار..!
بدأتُ أجري كالمجنونةِ إلى حيثُ كانتْ تجلسُ قبل أن تودعني في الفراش..
كانتْ تصلّي طوالَ الليلِ آملةً أنْ تنجو جدّتي في عمليّتها الجراحيّة..
لم أكنْ أدري ما داؤها، لكنّهم يقولونَ أن لغماً انفجرَ في قلبها حينَ غادرها ولدُها الوحيد وعادوا إليها ببزّتهِ العسكريّة..
منذُ ذلكَ الحين كلّ من في الحي يسمّيها أمَّ الشّهيد.. وكلّما مرّغتْ وجهها بقميصهِ تبكي وتطلقُ الزّغاريد، ثم تفقدُ وعيها ويستعصي إيقاظُها.

أثناءَ بحثي اليائسِ عن كلّ شيء.. بل لا شيء.. لم أكنْ لأشعرَ بالدمِ يملأ جسدي حينَ وجدتُ لعبتي اتسختْ وتمزّقَ ثوبها.. لطالما تشاجرتُ مع أختي لأمنعها من لمسها؛ لكنّني لم أستطعْ هذه المرّةَ أنْ أكترثَ للعبة حين وقعتْ عينايَ على شقيقتي ومنظرُها المفزع بعينٍ واحدة.. تسربلتْ بالدّماء ولا يقوى جسدها حتى على الحراك.
كانَ أنينُها أقوى من محبّتي لبقايا لعبةٍ متّسخةٍ رميتُها بعيداً وسقطتُ أرضاً لعجزي عن احتمالِ ذلك المشهد.

بدأتِ الصّورُ تتدافعُ في مخيّلتي والعطشُ يغزو حنجرتي الجريحة، كأنّني لا أعي ما حولي.. وكلّما حاولتُ استجماعَ قوايَ والنّهوضَ من جديد هدّني تعبٌ لا أدري مصدَره.
ألمٌ في القلب.. أمِ الذّاكرة.. أم الجسد..؟
وصوتُ سياراتِ النّجدةِ بالكادِ أسمعه.. كانَ الضّجيجُ أقوى من أنْ يوصَفَ أو حتى يُدرَك.
لم أدرِ إنْ كنتُ فاقدةَ الوعي أم أنّني أتصفّحُ محفظةَ الصّورِ التّذكاريّةِ تجمعُها والدتي لنراها بغبطةٍ من حينٍ لآخر..
هنا.. كنتُ أنشد مع أصدقائي في أحدِ صفوفِ ذاكرتي الأخرى.. أقصد.. مدرستي، وهناك.. صورةٌ لأخي وُلد منذُ بضعةِ أشهرٍ لكنّني نسيتُ البحثَ عنه تحتَ بقايا ذاكرتِنا.. وأشياءُ كثيرةٌ أخرى باغتتني عندَ انتهائها بكيسِ دمٍ ينسربُ إلى جسدي المهشّم؛ وأنا ممددةٌ على سريرٍ أبيضَ في مكانٍ غريبٍ.. أقصد.. في ذاكرةٍ جديدةٍ أرغِمتُ على إضافتها إلى عدّةِ ذاكراتٍ لي باتتْ كلّها جريحة..!

في تلكَ اللحظةِ فقط.. حينَ فوجئتُ بكمٍّ هائلٍ من الضّمادِ يغطّي جسدي لأبدو كشبحٍ أبيض؛ أيقنتُ أنّ المسكّناتِ التي تقدّمها لي الممرّضاتُ عاجزةٌ عن إزالةِ ألمي لأنّ الوجعَ داخلي يتملّكني إلى حدّ القسوة.
هذه هي المرةُ الأولى التي أشعرُ فيها بالغربة..
وجعٌ أم حنينٌ إلى رائحةِ الخبز.. إلى فناءِ الدّار.. إلى حبلِ الغسيل.. إلى.. وإلى.. ما لا أدري..
كانَ شعوري بالخوف أقوى من أنْ يزيلَه أيّ تذكار.

فجأةً وجدتُ نفسي محاطةً بعدساتِ التّصوير، مجموعةُ غرباء يحدّقونَ بي ويحاولونَ الاستفسارَ منّي عمّا جرى.. وكأنّني أفهمُ أيّ شيء.
كنتُ أحاولُ الاختباءَ وراءَ كفّيَّ الصّغيرين.. غطّيتُ وجهي بهما وبسذاجةِ الأطفال ظننتُ أنّ بإمكاني الاختفاءَ خلفَ أصابعي وبمجرّدِ إغماضِ عينيّ لنْ يراني أحد.. كما كنتُ أفعل دوماً حين أعجزُ عن الاختباءِ أثناءَ لعبي، كنتُ أخفي وجهي بوسادةٍ ظانّةً أنّي لم أعدْ مرئية.
بدأتُ أصرخ خوفاً ممّا جرى ويحاولُ الجميع إرغامي على تذكّره.
لم أستطعْ لحظتها أنْ أكبحَ دموعي، كلّ ما كنتُ أريده هوَ أمي دونَ أيّ شيءٍ آخر.
تشنّجتْ أطرافي وبدأ جسدي يرتعش، وأنا لا أعي كيفَ أبتلعُ فزعي من كلّ شيء.. من سريرٍ غريب.. مكانٍ غريب.. عيونٍ غريبة.. ومتطفّلِينَ يثرثرونَ بصخبٍ غيرِ محتمل.

وبعد.. لا أدري.. أو بالأحرى لم أكنْ أريد أنْ أدري..
وكأنّني مرتاحةٌ بحالة التّخدّرِ هذه ولا أريد أنْ أعيَ واقعاً بشعاً باغتني بتوحّشٍ ليفترسَ أجملَ ما حولي ويفلتني بأعجوبةٍ من بينِ براثنه..!
بضعةُ أيامٍ كانتْ كفيلةً بمحوِ كلّ الكلامِ من ذاكرتي.. ربّما لأنّني في هذا الوقت أجد الصّمتَ هو الدّواء الأمثل للهرب من كلّ ما حولي..
تذكّرتُ عندما أفلتَ من يدي مرةً عودُ الثّقابِ واحترقَ غطاءُ السّرير، كان منظرُه مفزعاً.. وبّختني أمّي حينَها وصفعتني على يديّ لئلا أعيدَها.. لكنّني أتساءلُ الآن: كمْ عودَ ثقابٍ استلزمَهم ليدمّروا حلمَنا.. ذاكرتَنا.. منزلَنا.. ويا ترى يد من ستصفعُ أمّي هذه المرة..؟!

حتى الآنْ لا أدري ما كان ذنبي لأبقى وحيدةً.. جريحةً.. غريبةً.. ذاهلةً عن كل شيء.
أحلمُ بالشّمسِ تطرقُ مجدّداً زجاجَ نافذتي وأنا أفتحُ لها بفرحٍ طفوليٍّ معتاد..
أحلمُ بشجرةِ الفاكهة.. لا يجرؤ إلايَ على تسلّقها بشقاوةٍ لا أدري إنْ كانتْ لا تزالُ موجودة..
بمائدةٍ بسيطةٍ نقتسمُ عليها الخبزَ والفرح.. ونثرثرُ جميعنا بما نحبُّ ونرى ونريد..
بغطاءٍ قديمٍ يلحفُنا جميعاً عندَ انقطاعِ الكهرباء ، لتبدأ أصواتُنا تعلو غناءً مستأنسةً بضوءِ مصباحِ الكازِ في ظلامٍ حميمٍ يلمّنا سويّاً..
بجيوبِ والدي مملوءةً بالحلوى نفرغُها كعادتنا كلّ مساء..
بالعمّةِ الثّرثارةِ تجذبُها رائحةُ قهوتِنا لتطرقَ البابَ في موعدِها المبكر وتحدّثَ أمي بأخبارِ الجيرانِ وأقاويلِهم..
والآن.. وحيدةً على مفرقِ الصّمتِ.. صرتُ...
أحاولُ جاهدةً استيعابَ واقعٍ بشعٍ سلبني طفولَتي ليحوّلَني إلى مجرّدِ جزءٍ منْ خبرٍ عاجل..!


/..الـفينيـقيـة../

ابو حسان
17-01-2008, 03:13 AM
طبعا وقبل ان اقرأ المشاركة ادركت اتها ستكون رائعة ملتزمة ثائرة مدافعة عن حقوق مسضعفين في مكان ما من العالم ربما لأني ومن خلال مشاركاتك في المنتدى اصبحت اعرف اسلوبا مميزا للكتابة تتميزين به
وبعد قراءة مشاركتك تمنيت لو اني استطعت من حضورها شخصيا
تهانينا لك ونرجو لك مزيدا من التألق في المحافل الادبية العربية والعالمية

الفينيقية
17-01-2008, 02:46 PM
أهلا أستاذ أبو حسان ..

هذه القصة كتبتها عام 2006 وهي مستوحاة من حرب لبنان ..

بصراحة لم أعتد على الكتابة بهذا الأسلوب .. وهذه المرة الوحيدة

التي أتناول فيها فكرة وطنية في كتاباتي ليقيني بعدم إجادتي لهذا اللون .

القصة فيها الكثير من المباشرة لأن موضوعها يقتضي ذلك لذا لم أستطع

إضافة الرموز والألوان الخاصة التي اعتدت إضفاءها على نصوصي .

لكن وقوفك عندها و رأيك الكريم بها أسعدني جداً وأتمنى أن أكون

قد وفقت فعلاً في كتابتها .

لك كل الشكر على تشجيعك .

http://www.syriane.Com/loadimages/uploads/2d2fbf97c9.gif

أبو حسام
17-01-2008, 03:26 PM
ما قلتيه يا بنيتي ...

صحيح ...

فلغتك وأسلوبك أكثر احترافية في نصوص أخرى ..



وهذا لا يقلل من شأن قصتك هذه



والتي أضاف إلقاؤك لها ألواناً وذواكر لن يتلمسها إلا من حضر الأمسية ...



بوركت ...

الفينيقية
17-01-2008, 11:47 PM
http://www.syriane.Com/loadimages/uploads/02909403fe.gif

أشكرك على رأيك الثمين الذي أحترمه ويعني لي الكثير ..

ولكنني فعلاً غير راضية عن هذه القصة ولا أعتبرها من كتاباتي

والسبب الوحيد الذي دفعني لقراءتها هو طلب بعض الصديقات المدعوات

اللواتي يُعبن على نصوصي إغراقها في الرموز ويعجزن عن إدراكها

إلا بعد قراءات متكررة .

ويفضلن الأسلوب المباشر في الكتابة الذي يصل بسلاسة إلى فهم

القارئ على اعتبار أن ثقافة المستمعين متفاوتة و يجب إرضاء

جميع الأذواق ...

ولكن .. وبعد أن شرفتني بحضورك للأمسية ..

ندمت فعلاً على اختياري لهذا النص و تمنيت لو أنني قدمت أشياء

أخرى أكثر عمقاً تليق بذوق حضرتك الأدبي الذي صرت على إلمام

متواضع به بعد استمتاعي بقراءة قصائد حضرتك التي

أتحفتنا بها على المنتدى .

وجود حضرتك أشعرني فعلاً بسوء اختياري ..

على كل حال .. لك كل امتناني .. رأيك كيفما كان شهادة أفتخر

بها وأستفيد منها .. وشكراً على تشجيعك .

APOLO
15-04-2009, 03:28 PM
لقد تكلمت عن العمق والألوان والمباشرة والترميز و ..... و....
لتعلمي ... أن لون الدم ... وطعم الدم ... وريح الدم ....
هو أعمق رمز للون مباشر ....

هو لون الحب ... ولون الحرب ...
لون الجرح .... ولون الشفاه ...
لون الدم ... ولون الورد


بالنسبة إلي .... هذا أفضل ما تقدميه ....
فسمو الموضوع والفكرة والهدف .... يغني عن كثيرٍ من عضلات الأدب ... التي عادة ما نتّكؤ عليها لنسمو بقلمنا ... ولكن كهذه الفكرة ... هي من تسمو بالقلم وتسمو بحبره .... وبيد كاتبه ...
..... أيتها الفينيقية .... هُنا ... أنتِ ... رائعة ....

ولم أحب أبداً أن تتنكري لهذه الكتابة وتندمي عليها .... فكما أخبرتك آنفاً ....

هذا أفضل ما قدمتيه ..... وما سـ .....

الفينيقية
19-04-2009, 02:04 AM
شكراً أبولو....
ردك يعني لي الكثير....

آراؤكم المتفاوتة في القصة يؤكد وجهة نظري المتعلقة باختلاف الأذواق الأدبية..

جميل أنها أعجبتك وبغض النظر عن رأيي بها فأنا لا أستطيع إنكارها أو إلغاءها... فهي جزء مني.

وأتمنى فعلاً أن أعاود الكتابة مستقبلاً بغض النظر عن الأسلوب أو الفكرة..أفضل أو أسوأ.. فقلمي هذه الأيام بحاجة لبعض النقاهة....!

APOLO
19-04-2009, 03:07 PM
أنا أؤمن أن قلماً كقلمك ... لا يجف حبره ...

أتمنى أن تكون نقاهته قصيرة .... فأنا بانتظاره

لكن ما كنت أريد قوله بالرد على هذه القصة ... فقد استطعت بها الخروج من ذاتيتِكِ أي من القوقعة التي تنعُمين بها ...التي صنعت منها تارة فردوساً وتارة جهنم ـ إلى ذكريات الآخرين وذاكرتهم .....