المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صناعة الفشل


محمد بن قاسم علوش
18-06-2007, 03:08 AM
<div align="center"><span style="font-family:Arial">لن تجد صناعةً رائجة بين الشباب هذه الأيام كصناعة الفشل ، فالكثير منهم يتقنها ويتفنن فيها ، ويُحسن ترويجها بين لداته وأقرانه .. وهم وإن كانوا لا يجدون ما يعملون إلا أنهم يرتاحون إلى قناعاتهم المريضة عن حظهم التعس ، وأقدارهم المشؤومة ، ودنياهم الظالمة ...
يجلس أحدهم على المقهى وحوله (شِلَّةٌ) تشبهه ، ثم يبدأ اجترار ماضيه الفاشل الذي لا يمل تكراره :
لقد سعيتُ كثيراً وطرقتُ جميع الأبواب ... حاولت أن ألتحق بوظيفة حكومية ولكني فشلت لأني لا أملك واسطة ... ذهبت إلى القطاع الخاص فلم يكن أحسن حالاً من الوظائف الحكومية لأن مرتباتهم لا تكفي ثمن (سجائري) ، وهم مع هذا يطلبون مني (دواماً) يأكل شطر نهاري وجزءاً من ليلي ... أما المشاريع التجارية فَحدِّث ولا حرج ... لقد أضعت كثيراً من المال الذي استدنته على هذه المشاريع ، وجريت وراء وهم الثراء والتجارة حتى خسرت كل شئ ... عندما تتاجر لابد أن تبدأ كبيراً حتى تظل كبيراً ، أما أن تقنع بما يقنع به الحالمون الذين يريدون صعود السلم من أوله ، أو يتفلسفون على الناس ويقولون : طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ، فهذا جنون .... سيضيع عمرك هباءً ولن تجد من يلتفت إليك ، بينما غيرك يتقلب في مباهج الدنيا ومتع الحياة ... انظروا إلى صديقنا (فلان) هل مؤهلاته تمكنه من الالتحاق بتلك الوظيفة التي التحق بها ؟؟ أبداً ... ولكن للواسطة سحر سريع المفعول ... وصديقنا (فلان) الذي يملك سيارة (آخر موديل) هل اشتراها بكده وجهده ؟؟ أبداً ... إنما السعيد من يخرج للدنيا ليجد أبا غنياً وعائلة ميسورة ... وصاحبنا (فلان) الذي لم يعد يجلس معنا لأنه ـ كما يدَّعِي ـ يدير مشروعاً تجارياً ضخماً ، من أين هبطت عليه هذه النعمة ؟ ما الذي يملكه هو ولا نملكه نحن ؟ ... لقد كان (أكسل) تلميذٍ في مدرستنا فمن أين أتاه هذا العقل وهذه الحكمة ؟ ... الذي أعرفه أن هذه الدنيا لا ينجح فيها إلا الأغنياء والأدعياء وأصحاب السلطة والنفوذ .... إنها لا تمنح غيرهم ولا تبتسم لسواهم ولا تشيح بوجهها إلا عن التعساء أمثالنا.... ثم يرشف رشفةً من فنجانه ، ويسحب نفساً عميقاً من (سيجارته) ، ويُقنع نفسه أنه بهذا قد أدى ما عليه وعلى الحظ والظروف أن تتكفل بالباقي .
هذا الشاب ـ وأمثاله كثيرـ لم ير من الواقع غير النقاط السوداء العالقة بالثوب الأبيض ... ولو افترضنا ـ جدلاً ـ أن غالبية الثوب مجللة بالسواد فهل معنى هذا أن نحرق الثوب كله ، ونكون كالذي (يحرق اللحاف من أجل برغوث) كما يقول المثل العامي ... صاحبنا هذا يريد أن يحرق الثوب ويحرق نفسه ويحرق من حوله ... ما الذي سيستفيده من اجترار ماضيه الفاشل والبكاء على نفسه ، وجلوسه في المقاهي ، وتسكعه في الشوارع ، ما الذي أضافه إلى رصيده العلمي أو المالي ، إنه على عجلة من أمره دائما ... يحلم ليلاً ويريد تحقيق حلمه صباحاً ، فإذا لم يتحقق فإن الواقع سيئ ، والثوب أسود ، والدنيا ليست للعباقرة . وهذه طفولة عقلية نتجت عن جهل شديد بطبيعة الحياة وسنن الله الكونية ؛ فكل شيئ له وقته ومجاله وترتيباته وأسبابه التي لا بد من الأخذ بها :
ألـم تـَـر أن اللهَ أوحــى لمريمٍ
فهزي إليك الجـذع يسـاقط الرطب
ولو شاء أدنى الجذع مـن غير هزة
إليـها ، ولكن كـل شـيء له سبب
ثم لنفترض أنه أخذ بالأسباب ، ورمى نفسه في غمار تجربة ففشل فيها ما الذي سيحدث ؟ أغلب الظن أنه سيجلس في بيته يندب حظه ، ويلعن ظروفه ... وكأنه لم يعلم أن (توماس أديسون) أجرى ألف تجربة فاشلة قبل أن يتوصل للتجربة الأخيرة الناجحة في اختراع المصباح الكهربائي ، وأن (هنري فورد) أصيب بالإفلاس خمس مرات قبل أن ينجح في اختراع سيارته ، وأن (ابراهام لنكولن) فشل في عمله مرتين وفشل في الانتخابات ست مرات قبل أن يصبح رئيساً لأمريكا وهو في الستين من عمره ليقول بعد هذا المشوار الطويل: ( إنك لن تفشل إلا إذا انسحبت )
إن مفاتيح النجاح أكثر من أن تحصى ولكني لم أجد أجدى في الوصول إلى النجاح من (الصبر والإصرار والدافع ).... هذه المفاتيح الثلاثة كفيلة بإيصال صاحبها إلى ما يريد ... يُروى أن شاباً صينياً سأل حكيماً من حكماء قومه عن مفتاح النجاح فأحضر الحكيم إناءً فيه ماء وأمر الشاب أن ينظر فيه ، وحين قرَّب الشابُ وجهه من الإناء أطبق الحكيم على رأسه بكل قوته وغمرها في الماء . حاول الشاب رفع رأسه ليتنفس ، ولكن الحكيم كان قد تمكن منه ... وحين أحس بالغرق استجمع قواه ورفع رأسه فرمى الحكيمَ بعيداً ... استغرب الشاب من هذا التصرف فقال له الحكيم : هل رأيت مدى حاجتك للهواء ؟ قال الشاب : نعم ، فقال الحكيم : هكذا النجاح لا بد أن تطلبه كطلبك للهواء .
لقد حاول الشاب مراراً أن يتخلص من قبضة الحكيم القوية ولكنه لم ينجح إلا بعد أن أحس بالغرق ... هذا هو الدافع ... نجح الشاب عندما انطلقت قواه الخفية معتمدة على دوافعه القوية ... وهذا ما عناه سقراط بقوله : ( إذا وصلت رغبتك في الحصول على الحكمة درجة رغبتك في الحصول على الحياة لحظة الغرق ستحصل على الحكمة) .
لقد تعرض عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان لأبشع ما يمكن أن يتعرض له إنسان في الوجود ... شاب نشأ في بيت النعمة والشرف والملك والرياسة ، حكمت أسرته الأموية الأرض من إسبانيا غرباً إلى الصين شرقاً ، وجابت جيوشها الدنيا مخضعة الملوك والأباطرة والسلاطين ، وما هي إلا غمضة عين حتى انقلب كل شئ ؛ فانهارت الدولة ، وغاضت النعمة ، وزال السلطان ، ووُضِع السيف في رقاب رجالات الأسرة حتى لم يبق فيهم من يُخاف خطره ، وفَرَّ الشاب عبد الرحمن ـ ربيب النعمة ـ من الشام إلى مصر ثم من مصر إلى المغرب ثم من المغرب إلى الأندلس ، ملاقيًاً في رحلته الأهوال ـ التي تحولت في نفسه إلى دوافع ـ ... الخوف والجوع وزوال النعمة.. فأقام بدوافعه وصبره وإصراره أعظم خلافة أموية إسلامية في الأندلس أنارت ظلمات الغرب في عصر الظلمات . والغريب في الأمر أن هذه الدولة قامت بإصرار رجل وزالت بإصرار امرأة ؛ فها هي (إيزابيلا) ملكة (قشتالة) تُقسم بعد عدة قرون أنها لن تخلع قميصها الداخلي إلا بعد أن تطرد المسلمين من الأندلس... ويبقى قميصها عليها ثلاثين سنة حتى تم لها ما أرادت ، وكان ذلك بعد أن نخرت أمراض الضعف والتحلل والفساد والفرقة والرفاهية والخيانة في جسد الدولة التي بناها عبد الرحمن الداخل بالصبر والإصرار والعزم والقوة .
إن النجاح لا يعني حصانة ضد الفشل وكذلك الفشل لا يعني استحالة النجاح بل إن البعض ليرى أنه ليس هناك فشل في الحياة ولكن خبرات مكتسبة من تجارب سابقة ؛ فالأعمال الصائبة تأتي بعد الخبرة المكتسبة من الأعمال الخاطئة ، وأنت لن تعرف الصواب حتى تقع في الخطأ ، وبضدها تتمايز الأشياء .
إن طريق النجاح لا يكون عادة مفروشًا بالورود والرياحين، والذين حققوا إنجازات باهرة في حياتهم، وخلد التاريخ أسماءهم كثيراً ما تجرعوا مرارة الإخفاق قبل أن يذوقوا حلاوة النجاح . وهذا ما صوره لنا ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر بحوار متخيل طريف بين الماء والزيت فهما كلما اختلطا في إناء ارتفع الزيت على سطح الماء فيقول الماء للزيت : أين الأدب معي ، لِمَ ترتفع عليَّ وأنا الذي أنْبَتُّ شجرتك ؟ فيرد الزيت : لأني صبرت على ألم العصر والطحن بينما أنت تجري في الأنهار في سلامة ودعة ، وبالصبر يرتفع القَدْر .
إن الذين يريدون الجلوس على المكاتب من العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهراً ثم يذهبون إلى بيوتهم مقنعين أنفسهم أنهم كانوا في عمل حقيقي يستحقون عليه مرتباً ضخماً لن ينجحوا أبداً وإن بدا للناظر السطحي أنهم من الناجحين . أخبرني بعض الشباب المجدين الذين يبدأون عملهم بعد الفجر ويعودون قبيل منتصف الليل ـ وهو صاحب شركة مقاولات ناجحة ـ قال : (إن الله ليستحي من عبده أن يخرج صباحاً ويعود ليلاً ثم لا يرزقه ) .
هل تريد أن تكون مثل هذا الشاب المُجِدِّ الذي أنشأ شركة ناجحة بكده وتعبه وصبره أم تريد أن تكون مثل صاحبنا الأول تجلس على المقاهي تندب حظك وتلعن ظروفك وتصبح صفراً بين الأصفار ... اختر أنت</span></div>

الفينيقية
18-06-2007, 11:00 AM
<span style="font-family:Garamond">حيّاك الله أستاذ محمد على هذه الأسطر ...

حقاً لو أن الشباب .. بدلاً من أن يندبوا سوء حظهم و ظروفهم التفتوا

إلى تطوير أدواتهم و خبراتهم و تنظيم وقتهم .. و تأنوا في البحث

الجاد عن الفرصة الحقيقية .. وتعلموا من تجاربهم السابقة ..

لكانت الأمور بألف خير ...

أعود و أقول .. مابكم من خيرٍ فمن الله وما بكم من شرٍ فمن أنفسكم ...

جزاك الله خير ... </span>

أ.بسام خطاب
18-06-2007, 01:20 PM
يعطيك العافية اخ محمد عالموضوع الاحوج لنا في مثل هذه الايام....

لان صناعة الفشل رائجة جدا في مجتمعنا

ابو العلا
18-06-2007, 03:32 PM
بداية اشكرك اخ محمد على هذا الموضوع الذي يطرح مشكلة عويصة يعاني منها الشباب





وانا مع الكاتب في الافكار التي ختم بها مقالته بان العز والجاه المجدلا ينال الا بالصبر فالصبر اساس والهمة اساس والسعي لذلك اساس 0



واختلف مع الكاتب /ان كان لي الحق في ذلك / في تحدثه عن الواقع وكأنه ليس من الواقع وكأنه من صنع الشباب نفسه ولكن الحقيقة اننا





نحن الشباب نعاني من هذه المأساة في سوريا حصريا فالوظيفة اصبحت حلم والقطاع الخاص هو اقطاع خاص لمص الدماء ومص الوقت





والواسطة امر حقيقي ما هي بالخيال ولا الوهم بل امر ملموس والشهادة امر تافه لايؤخذ به في القطاع الخاص الا من رحم ربي وأما



القطاع العام فالشهادة لوحدها لا تكفي بل تحتاج الى (دفشة) من انامل سحرية حتى لا يتم اهمالها 0



وحديثي هذا او تعليقي لا اقصد به تسويد الواقع بل بذلك اقوم على تلوينه واعطائه البريق ليتجلى على حقيقته ... ولو كانت مرة



كما اني لا اهدف من ذلك ان اشجع على التسكع واليأس والاستسلام وفقدان الامل بل ما عنيته من جل كلامي أن اوضح المشكلة واشرحها



بشكل واقعي اكثر



وقد اعطى الاخ علي فريد قصص اظن بعضها لا ينطبق على واقعنا المتميز بأنه عصر السرعة





فمثلا تلك ايزابيلا انتظرت ثلاثين سنة حتى تحقق هدفها ونحن نعلم ان هدف شباب سوريا الاساسي هو البيت والزوجة فاذا احببت ان انتظر



ثلاثين سنة (لايعني الانتظار ..الانتظار ) حتى يتحقق هدفي فعندها سأطرق ابواب مآوي العجزة باحثا عن حسناء اخطبها :lol:





وكذلك قصة عبد الرحمن بن معاوية اظنها لا تناسب واقعنا لان برأي قصص الواقع اشد قسوة من قصته ان اطلعنا عليها







وسأدلكم على شئ يبرهن صحة قولي وطرحي



اذهبوا الى كلية الاقتصاد في مدينة دمشق وانظروا الى الاعداد الهائلة من الخريجين من كل الاختصاصات طبعا ثم دققوا وتمعنوا بمصير



هؤلاء عندها ستكتشفون الطامة الكبرى



وكلية الحقوق كذلك وووو....فهل يمكن ان نقول ان كل تلك الاعداد شباب صيّع...طبعا لا





الملخص : هذا هو واقعنا المرير الذي تربينا ونشأنا فيه والذي ...وبسببه هجرنا احب الناس الينا... لنرتمي في حضن غير دافء ولا حنون .





حضن لايعرف الرحمة ولا الرأفة ... بسبب ماذا يا اسيادي ... بسبب شجع اصحاب الطرابيش وكلابهم التي لا تكف النباح تأييدا للظلم الذي



يقومون به



قصص كثيرة لاصدقائي تتزاحم في عقلي الان .. ولكن ليس وقتها ولا مكانها 0



أسأل الله لي ولكم الثبات في الدنيا والاخرة والصبر على البلاء



انه ولي ذلك والقادر عليه





اعتذر على الاطالة وعلى سوء التعبير